كيف تسعر أول تعاون مدفوع لقناتك؟

منشور حُدّث في Say
شخص جالس إلى مكتب أمامه آلة حاسبة ودفتر ملاحظات يحسب تكاليف عمل
الصورة: Jakub Żerdzicki عبر Unsplash License

الرقم الذي كتبته ثم حذفته

جاءك أوّل عرض مدفوع في حياتك.

وسألوك سؤالاً واحداً: كم تريد؟

وفتحت نافذة الردّ، وكتبت رقماً.

ونظرت إليه فبدا كبيراً، فحذفته.

وكتبت نصفه. فبدا هذا قليلاً وكأنك تبيع عملك رخيصاً، فحذفته أيضاً.

وبحثت في الإنترنت عن معادلة، فوجدت معادلات تربط السعر بعدد المتابعين، فحسبت، وخرج رقم لا تعرف إن كان صحيحاً.

وسألت صديقاً، فأعطاك رقماً آخر لا يعرف هو من أين جاء به.

وفي النهاية كتبت رقماً، وأرسلته، ويدك ترتجف.

وقبلوه في ثانيتين.

وفي تلك اللحظة عرفت أنك أخطأت، ولم تعرف بكم.

لماذا لا يصلح عدد المتابعين مقياساً

المعادلات الشائعة التي تربط السعر بعدد المتابعين مضلّلة، لأنها تتجاهل كل ما يهمّ فعلاً.

جودة الجمهور لا حجمه. فألف متابع مهتمّون بمجال محدّد أثمن من عشرة آلاف متفرّقين.

وحجم العمل المطلوب. فذكر في ثلاثين ثانية يختلف عن فيديو كامل مخصّص.

والحقوق الممنوحة. فاستخدامك للمادّة على قناتك يختلف عن حقّهم في استخدامها في إعلاناتهم.

والسوق. فالأسواق العربية تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً.

ولهذا لا يقدّم هذا المقال أرقاماً. فأي رقم هنا سيكون خاطئاً لأحدهم، وسيتقادم خلال شهور. وما يبقى صالحاً هو طريقة الحساب.

احسب أوّلاً: وقتك الفعلي

أكثر خطأ يقع فيه المبتدئون هو حساب وقت التصوير وحده.

والوقت الحقيقي يشمل: المراسلات والاجتماعات قبل الاتّفاق. وقراءة المادّة وفهم المنتج. وكتابة النصّ وإرساله للمراجعة. والتصوير. والمونتاج. وجولات التعديل، وهذه أكثر ما يُستهان به. والنشر والمتابعة والتقارير.

اجمعها بالساعات، ثم اضربها في قيمة ساعتك.

وإن لم تكن تعرف قيمة ساعتك، فابدأ بما تكسبه في عملك الآخر، فهذا حدّك الأدنى المنطقي.

ثم: تكاليفك المباشرة

كل ما تدفعه من جيبك لهذا العمل تحديداً: انتقالات وإقامة. ومعدّات أو برامج تستأجرها لهذا العمل. وموسيقى أو مقاطع مرخّصة. ومساعد أو مصوّر أو مونتير. ونسبة من اشتراكاتك الشهرية التي تستخدمها.

وهذه تُسترَدّ كاملة، ولا تُحسَب ربحاً. فالربح هو ما يزيد فوقها.

ثم: ما تمنحه من حقوق

وهذا أكثر بند يُغفَل، وقد يكون أثمن ما تبيعه.

ما يُطلَب أثره على السعر
نشر على قناتك فقط الأساس
حقّ إعادة نشر المادّة على قنواتهم يرفع السعر
حقّ استخدامها في إعلانات مدفوعة يرفعه أكثر بكثير
حصرية تمنعك من العمل مع منافسيهم يرفعه بحسب المدّة
حقّ دائم بلا مدّة محدّدة أعلى بند على الإطلاق

والقاعدة: كلّما اتّسع الاستخدام وطالت مدّته، ارتفع السعر. وأي حقّ بلا مدّة محدّدة يعني أنك بعت المادّة إلى الأبد بسعر عمل واحد.

ثم: ما تخسره

فرصة أخرى. فإن كان قبولك يمنعك من عمل آخر في نفس الأسبوع، فذلك جزء من التكلفة.

ورصيد من ثقة جمهورك. فكل محتوى إعلاني يستهلك قليلاً منها، ولهذا لا يُقبَل إلا ما تصدّقه فعلاً.

ومساحة في جدولك. فالالتزام المدفوع يأتي بمواعيد ليست مواعيدك، وقد يعطّل محتواك الخاصّ.

قاعدة التفاوض الوحيدة

اسأل عن ميزانيتهم قبل أن تعطي رقمك.

وسؤال «ما الميزانية المخصّصة لهذا التعاون؟» مهني تماماً، ويُطرَح في كل صناعة.

ولماذا؟ لأن من يذكر رقماً أوّلاً يحدّد سقف التفاوض. وقد تكتشف أن ميزانيتهم أعلى ممّا كنت ستطلب، وهذا بالضبط ما حدث في القصة التي بدأنا بها.

وإن أصرّوا أن تبدأ أنت، أعطِ نطاقاً مبنياً على النطاق: «يعتمد على المدّة والحقوق. لو كذا فالسعر في حدود كذا، ولو كذا فيختلف».

عروض تُرفَض

«ادفع لنا مقابل الظهور». فأنت تقدّم القيمة، لا العكس.

و«سنرسل لك المنتج مقابل الفيديو». فالمنتج ليس أجراً إلا إن كان يساوي فعلاً قيمة عملك وكنت ستشتريه أصلاً.

و«هذا سيعرّفك على جمهور أكبر». فالظهور لا يُدفَع به إيجار.

و«لنبدأ بسعر رمزي وسنعوّضك في التعاون القادم». فالتعاون القادم يبدأ من السعر الحالي دائماً.

ولا بأس أن ترفض. فالرفض المهذّب لا يغلق باباً، أمّا القبول بسعر متدنٍّ فيحدّد سقفك مع تلك الجهة إلى الأبد.

ملاحظة

هذا المقال لا يذكر أسعاراً ولا يوصي بأرقام. فالأسواق تختلف، والقيم تتغيّر، وظرفك أنت هو الأساس.

وهو ليس استشارة مالية أو قانونية. وقبل التعاونات الكبيرة أو طويلة المدى، راجع بنود الاتّفاق مع مختصّ.

الخلاصة

احسب الوقت، والتكلفة، والحقوق، والخسارة. ثم اسأل عن الميزانية.

وسعرك ليس رقماً تكتشفه بل قراراً تتّخذه.

وأوّل رقم تقبله يصير مرجعاً لكل ما بعده.