الصوت الذي لا خطأ فيه
تخيّل أنك جلست تستمع إلى تعليقين صوتيين لنفس النصّ.
الأوّل سجّلته بنفسك. فيه نَفَس قبل الجملة الطويلة، ووقفة غير مقصودة في المنتصف، وكلمة نطقتها بطريقتك التي لن ينطقها بها أحد غيرك، وضحكة قصيرة هربت منك في سطر لم تكن تتوقّع أن يضحكك.
والثاني صنعته أداة في دقيقتين. كل حرف في مكانه، والوقفات مضبوطة، والنبرة معقولة، ولا خطأ واحد من أوّله إلى آخره.
والثاني أفضل بكل مقياس تقني.
ومع ذلك، حين تسمعه تشعر أن أحداً ليس هناك.
وهذا بالضبط هو موضوع المقال: الصوت الاصطناعي يعطيك صحّة بلا حضور.
ما الذي يحمله صوتك ولا يحمله البديل
التردّد. حين تقول جملة وأنت غير واثق منها تماماً، يظهر ذلك في صوتك. والمشاهد يسمعه ويثق بك أكثر، لا أقلّ.
والانفعال في موضعه. الضحكة القصيرة، والصوت الذي ينخفض عند شيء مؤلم، والسرعة التي تزيد حين تتحمّس لشيء تحبّه.
والعيوب نفسها. الحرف الذي تنطقه بطريقتك، والنَفَس قبل الجملة الطويلة. هذه ليست أخطاء يجب إصلاحها، بل هي ما يجعل الصوت صوت إنسان بعينه لا صوت أي أحد.
متى يخدمك فعلاً
في الأجزاء التي لا تحمل انفعالاً
أرقام، وتواريخ، وأسماء أماكن، وشرح تقني قصير.
هذه أجزاء وظيفية لا تُبنى عليها علاقتك بالمشاهد، وقد تمرّ بلا أن يلاحظ أحد شيئاً.
في نسخة ثانية بلغة لا تتكلّمها
وهنا يكون البديل الحقيقي هو ألّا توجد النسخة أصلاً.
فيديو عربي يُتاح بالإنجليزية بصوت اصطناعي أفضل من فيديو لا يُتاح. والمشاهد يعرف أن هذه نسخة مترجمة ويتقبّلها بلا مشكلة.
في مسودّة تسمعها وحدك
استمع إلى سكربتك بصوت اصطناعي قبل أن تسجّله بصوتك.
هذا يكشف لك الجمل الطويلة التي تتعثّر فيها، والفقرات التي تطول بلا داعٍ، والانتقالات المفقودة. وأنت ما زلت تستطيع تعديل النصّ قبل أن تدخل الغرفة.
وهذا استعمال ممتاز لا يظهر للجمهور أصلاً.
في إمكانية الوصول
قراءة نصّ مكتوب لمن لا يستطيع قراءته. ولا أحد يعترض هنا.
ومتى يكلّفك
في القناة التي أنت وجهها
لو كان جمهورك يتابعك أنت، فصوتك جزء ممّا يتابعونه.
استبداله يشبه تغيير وجهك في الصورة. لن يشتكي أحد صراحةً في أوّل الأمر، لكن شيئاً يبرد.
في القصة الشخصية
«حدث لي كذا» بصوت ليس صوتك تناقض داخلي يسمعه المشاهد حتى لو لم يعرف كيف يسمّيه.
في الوثائقي والمقابلات
الشكل كلّه قائم على أن ما تسمعه حدث فعلاً.
وأي صوت مصنوع داخله يفتح سؤالاً لا تريد أن يُفتَح: وماذا في هذا الفيديو أيضاً ليس حقيقياً؟
في التعليق الذي يحمل الفيلم
لو كان صوتك هو ما يربط المشاهد بما يراه طوال عشر دقائق، فالبديل الاصطناعي سيجعل العشر دقائق تبدو أطول.
وعن استنساخ صوتك أنت
وهذه حالة مختلفة عن اختيار صوت جاهز من قائمة.
تسجّل عيّنة من صوتك، فتحصل على صوت يشبهك ويقرأ ما تكتبه.
وهو مفيد فعلاً في إصلاح كلمة أخطأت نطقها، وإضافة جملة نسيتها بعد أن فككت الإعداد كلّه، وتوحيد مستوى الصوت بين مقاطع سُجّلت في أيام مختلفة.
وثلاثة أشياء انتبه لها قبل أن ترفع صوتك إلى أي خدمة.
من يملك النموذج؟ اقرأ ماذا يحدث لصوتك بعد رفعه، وهل يُستعمَل في تدريب شيء آخر، وهل تستطيع حذفه متى شئت.
ومن يستطيع تشغيله؟ الحساب الذي يصل إلى صوتك يستطيع أن يقول به أي شيء، لأي أحد، في أي وقت.
وأين الحدّ؟ إصلاح كلمة شيء، وفيديو كامل لم تفتح فمك فيه شيء آخر تماماً.
ما تقوله لجمهورك
القاعدة البسيطة: لا تجعل أحداً يكتشف بنفسه.
هناك فرق كبير بين أن يعرف المشاهد من البداية أن هذه نسخة مترجمة بصوت اصطناعي، وبين أن يكتشف بعد ثلاثة فيديوهات أن الصوت الذي اعتاده ليس صوتك.
الأوّل شفافية، والثاني خيانة صغيرة تفقدك ما بنيته في سنوات.
وسطر واحد في الوصف أو في أوّل الفيديو يكفي.
الخلاصة
استعمله في ما لا انفعال فيه، وفي نسخة بلغة لا تتكلّمها، وفي مسودّة تسمعها وحدك قبل التسجيل.
واحتفظ بصوتك في ما تحكيه عن نفسك، وفي كل ما تريد أن يُصدَّق.
والاختبار الوحيد: لو عرف مشاهدك غداً أن هذا الصوت مصنوع، هل سيشعر أنك أخبرته؟
مقالات ذات صلة
-
تحسين الصوت في المونتاج: ما الذي يمكن إصلاحه وما لا يمكن؟
قضيت ساعتين تحاول إنقاذ صوت فيه صدى، ثم خرج معدنياً وكأنه تحت الماء. ما يستطيع المونتاج إصلاحه وما لا يستطيع، وترتيب العمل على الصوت.
-
أين يفيد الذكاء الاصطناعي في صناعة الفيديو وأين يفسدها؟
طلبت من الأداة عشر أفكار لقناة سفر، فجاءت قائمة تصلح لأي قناة في العالم. سؤال واحد يحسم كل أداة، وأين يفيد الذكاء الاصطناعي وأين يفسد العمل.
-
ماذا تقول لجمهورك عن استخدامك للذكاء الاصطناعي؟
كتب أحدهم في التعليقات: «هل هذا صوتك أصلاً؟» وتحته مئة إعجاب. الفرق بين ما تطلبه المنصّات وما يتوقّعه جمهورك، والسؤال الذي يحسم كل حالة.