أنهى المونتاج في الثانية صباحا. صدر الملف، وشاهده مرة، ثم مرة ثانية. وفي الثالثة أغلق الحاسوب وهو متأكد أنه أسوأ شيء صنعه في حياته.
في الصباح حذف مجلد المشروع كله كي لا يعود إليه. وفي الأسبوع الذي بعده لم يصور شيئا، لأن كل فكرة جديدة كانت تذكره بأنه قد يخرج بنفس النتيجة.
الفيديو لم يكن سيئا. أصدقاؤه الذين رأوه قبل الحذف قالوا إنه جيد. لكنه كان قد شاهده أربعين مرة في المونتاج، فصار لا يرى فيه شيئا.
أولا: هل الذي لا يعجبك أنت أم الفيديو؟
هذه أول نقطة ولا تتخطاها. بعد ساعات المونتاج يفقد كل صانع القدرة على تقييم عمله، وهذه ظاهرة معروفة لكل من يعمل بالصورة والصوت: تسمع نفسك فتزعجك نبرتك، وترى وجهك فتلاحظ فيه ما لا يلاحظه أحد، وتعرف النكتة فتصير غير مضحكة.
الاختبار العملي: لا تقرر في اليوم نفسه. اترك الفيديو أربعا وعشرين ساعة، ثم شاهده مرة واحدة من أوله إلى آخره بلا إيقاف. وإن استطعت، أعطه لشخص واحد يشبه جمهورك واسأله سؤالا واحدا: ماذا فهمت؟ لا تسأله «هل أعجبك»، لأن الجواب سيكون مجاملة.
أغلب ما يبدو كارثة في الثانية صباحا يبدو عاديا في الظهر.
ثلاثة أسئلة تحسم القرار
بعد الاستراحة، اسأل بهذا الترتيب:
1. هل فيه خطأ في الوقائع أو إساءة إلى أحد؟ إن كان الجواب نعم، فالقرار ليس ذوقيا: أصلح الخطأ أو لا تنشر. هذا وحده سبب كافٍ للحذف.
2. هل يوصل فكرته إلى شخص لم يحضر التصوير؟ إن كان من شاهده فهم الفكرة، فالفيديو يعمل. الإعجاب شيء والوظيفة شيء آخر، والقناة تبنى على الوظيفة.
3. هل أستطيع إصلاح عطله في ساعتين؟ إن كان الجواب نعم، أصلح وانشر. وإن كان الإصلاح يحتاج إعادة تصوير كاملة، انتقل إلى الفقرة التي بعدها.
أربعة أعطال، ولكل واحد علاج مختلف
الجملة «الفيديو لا يعجبني» ليست تشخيصا. حدد العطل أولا:
العطل في الفكرة: الفيديو لا يقول شيئا، أو يقول أشياء كثيرة بلا خط. هذا أخطر عطل، ولا يصلحه المونتاج ولا إعادة التصوير، بل إعادة تحديد الفكرة. غالبا ينفع أن تقص منه فيديو أقصر يقول شيئا واحدا.
العطل في الصوت: كلام غير واضح، أو ضجيج، أو مستويات متفاوتة. أكثر عطل يشعرك بأن الفيديو رخيص، وأكثر عطل يمكن إصلاحه بلا تصوير. ابدأ من هنا دائما.
العطل في الصورة: ضوء غير جيد، أو لقطة مهتزة، أو لون متغير. يصلح جزء كبير منه في المونتاج، وما لا يصلح يمكن تغطيته بلقطة بديلة أو نص على الشاشة.
العطل فيك أمام الكاميرا: نبرة مشدودة، أو تردد، أو سرعة. هذا العطل الوحيد الذي تحله الممارسة لا الإصلاح، ولا يتحسن إن لم تنشر. من نشر عشرين فيديو يتكلم في العشرين أفضل بكثير من الأول، ولا طريق آخر إلى ذلك.
متى تعيد التصوير فعلا
إعادة التصوير أغلى مما تظن: وقت، وإعداد، وطاقة، وتأخير ينقل الفيديو إلى قائمة «سأعيده» التي لا ينشر منها شيء. فلا تعدها إلا في ثلاث حالات:
- مادة غير صالحة تقنيا: صوت غير مفهوم، أو ملف تالف، أو صورة خارجة عن التركيز في أغلب اللقطات.
- عطل في الفكرة كتبت بديلا عنها فعلا: أي عندك ورقة جديدة، لا مجرد إحساس بأنك ستفعلها أحسن.
- الموقع أو الشخص متاح الآن وسيغيب: أعد التصوير قبل أن تفقد الفرصة، لا بعد شهر.
وفي غير ذلك: اصلح ما تستطيع، وانشر، وامش.
متى تنشر رغم أنك غير راض
انشر إن كان الفيديو يوصل فكرته، ولو كان أضعف من مستوى تتخيله لنفسك. والسبب ثلاثة أشياء عملية:
التعلم يأتي من النشر لا من المونتاج. التعليقات وأرقام المشاهدة تعطيك معلومات لا يعطيها لك رأيك في نفسك.
مستواك يتحرك. الفيديو الذي تخجل منه اليوم هو الذي سيجعلك ترى تطورك بعد سنة. وماذا تفعل بفيديوهاتك القديمة الضعيفة حين تصل إلى تلك النقطة موضوع فيديوهاتك القديمة الضعيفة: هل تحذفها أم تخفيها أم تتركها.
التأجيل يكسر الإيقاع. فيديو واحد لم ينشر يصير أسبوعين بلا نشر، ثم شهرا، وانقطاع الإيقاع يضر أكثر من فيديو متوسط. وكيف تحمي إيقاعك من الانهيار في كيف تستمر في نشر الفيديوهات دون أن تنهك.
علاج نصف الطريق: انشر نسخة أقصر
هذا أنفع حل ولا يلجأ إليه أحد. إن كان الفيديو عشر دقائق وفيه أربع دقائق جيدة، فاحذف الباقي وانشر الأربع.
الفيديو القصير الجيد أنفع من الطويل المتوسط، والمشاهد لا يعرف أنك كنت تنوي عشر دقائق. وستجد في أغلب الحالات أن ما تبقى بعد الحذف هو أفضل شيء صورته.
الخطأ الذي يقتل القنوات
ليس نشر فيديو ضعيف. الخطأ هو: يكره الفيديو، فيحذفه، فيشعر بالفشل، فيتوقف عن التصوير أسبوعين، فيعود وقد فقد العادة.
الحذف قرار صغير، وما يتبعه هو القاتل. فإن قررت ألا تنشر، فحدد في اللحظة نفسها موعد تصويرك القادم وموضوعه. القرار الذي لا يتبعه موعد يتحول إلى توقف.
اكتب درسا واحدا، لا قائمة
قبل أن تغلق المشروع، اكتب سطرا واحدا: ما الشيء الذي سأفعله بطريقة مختلفة في الفيديو القادم؟ سطر واحد، لا عشرة.
ضعه في مكان تراه قبل التصوير القادم. الفيديو الذي لم يعجبك يصبح مفيدا إن خرج منه سطر واحد ينفذ، ويصبح خسارة كاملة إن خرج منه شعور فقط.
وإن كان شعورك أن المشكلة في معداتك، فاقرأ ماذا تحتاج فعلا لتبدأ قناة؟ وما الذي لا تحتاجه الآن قبل أن تشتري شيئا، فأغلب ما نكرهه في فيديوهاتنا الأولى ليس سببه الكاميرا.
ولو نشرت وما زال يزعجك
انشره ثم لا تشاهده. اذهب إلى الفيديو التالي. أول ثلاثة أشهر من أي قناة هي تدريب علني، والتدريب لا يقاس بجودة أول محاولة بل بعدد المحاولات. وأكثر ما ستندم عليه بعد سنة ليس فيديو ضعيفا نشرته، بل الشهور التي لم تصور فيها شيئا لأنك انتظرت أن تصبح جاهزا.
مقالات ذات صلة
-
ماذا تحتاج فعلا لتبدأ قناة؟ وما الذي لا تحتاجه الآن
ثلاثة أسابيع في مقارنة الكاميرات، وصفر فيديوهات مصوّرة. ما تحتاجه فعلاً لتبدأ، وما لا تحتاجه الآن، وعلامة أنك تؤجّل لا تستعدّ.
-
كيف تستمر في نشر الفيديوهات دون أن تنهك؟ خمس قواعد عملية
ثلاثة فيديوهات في الأسبوع لمدّة شهرين، ثم أسبوع واحد ضاغط أنهى كل شيء. لماذا يتوقّف الناس، وخمس قواعد عملية للاستمرار، والراحة التي تمنع الانقطاع.
-
فيديوهاتك القديمة الضعيفة: هل تحذفها أم تخفيها أم تتركها؟
فتحت قناتك فوجدت فيديو من ثلاث سنوات تخجل منه، وأصبعك فوق زرّ الحذف. الخيار الثالث الذي يُنسى، وما يُترك وما يُخفى، وخطوة واحدة قبل أي قرار.
-
أول شهر على قناتك: ما الذي تقيسه وما الذي تتجاهله؟
فتح التحليلات أربع عشرة مرة في اليوم، وبعد أربعة فيديوهات وثمانين مشاهدة لكل واحد قرر أنه فشل. الرقم الوحيد الذي كان يعني شيئا لم ينظر إليه. ثلاثة أرقام تقيسها وخمسة تتجاهلها.