كيف تجري مقابلة مع شخص لا يتكلم لغتك؟ دور المترجم في الوثائقي

منشور حُدّث في Say
شخصان يجلسان ويتحدّثان في النهار
الصورة: Medienstürmer عبر Unsplash License

دقيقتان تحوّلتا إلى أربع كلمات

تخيّل أنك جالس أمام رجل في بلد لا تتكلّم لغته.

سألته سؤالاً، فترجمه المترجم، فبدأ الرجل يتكلّم.

وتكلّم دقيقتين كاملتين. تغيّر وجهه مرّتين، وضحك مرّة، ثم صمت في المنتصف وكأنه يبحث عن كلمة، ثم أكمل بصوت أهدأ. وفي الآخر رفع يده وأشار إلى شيء خلفه.

وحين انتهى، التفت المترجم إليك وقال:

«يقول إن الحياة صعبة».

وجلست تنظر إليه وأنت تعرف أن شيئاً كبيراً ضاع، ولا تعرف ما هو ولا كيف تستعيده.

المترجم ليس أنبوباً

تظنّ أنك تتكلّم مع ضيفك، والحقيقة أنك تتكلّم مع شخص ثالث يقرّر ما يصلك.

المترجم يختصر، ويهذّب، ويحذف ما يراه محرجاً، ويضيف شرحاً من عنده. وكل هذا يفعله بنيّة طيّبة، ولأنه يظنّ أنه يساعدك.

فمهمّتك الأولى أن تجعله شريكاً واعياً، لا وسيطاً صامتاً.

قبل المقابلة: نصف ساعة تغيّر كل شيء

اشرح له الفيلم. عن ماذا يتكلّم، ولماذا تسأل هذه الأسئلة بالذات. المترجم الذي يفهم القصد يترجم أفضل بمراحل.

واطلب الترجمة الحرفية بوضوح تامّ. قل له بهذه الكلمات: انقل كلامه كما قاله، حتى لو بدا غريباً أو ناقصاً. لا تلخّص ولا تجمّل. ولو أخطأ في معلومة، انقل الخطأ ثم أخبرني بعدها.

وراجع الأسئلة معه قبل أن تجلسوا. بعض الأسئلة تكون مباشرة أكثر من اللازم في ثقافة المكان، وهو سيعرف ذلك قبلك. اسمع كلامه، لكن لا تحذف سؤالاً مهمّاً لمجرّد أنه صعب.

واتّفق معه على إشارة. إشارة صغيرة باليد تعني «توقّف، أريد أن أسأل سؤالاً إضافياً» بلا أن تقاطع الضيف بصوتك.

أثناء المقابلة

أجلس المترجم بجانب الكاميرا، خلفك. فالضيف ينظر إليك أنت، والكاميرا تراه ينظر في الاتّجاه الصحيح.

ولو جلس المترجم أمام الضيف، سينظر الضيف إليه طوال الوقت، وستخرج من المقابلة بلقطة يتكلّم فيها ضيفك إلى شخص خارج الكادر.

وانظر إلى ضيفك وهو يتكلّم، لا إلى المترجم.

أنت لا تفهم الكلمات، لكنك تفهم الوجه والصوت واليدين. وهذا نصف المقابلة، وهو النصف الذي ضاع في القصة التي بدأنا بها.

واترك ثانيتين بعد كل ترجمة. الصمت يدفع الضيف إلى الإضافة، وأفضل الإجابات تأتي بعد الصمت.

وسجّل الصوت الأصلي كاملاً، ولا تقطع التسجيل أثناء الترجمة. ستحتاج كلام الضيف نفسه في المونتاج، وستترجمه مرّة ثانية بهدوء وأنت في البيت.

أسئلة تنجو من الترجمة

الترجمة تكسر بعض الأسئلة وتمرّ على غيرها، وهذه قواعد تحمي سؤالك.

سؤال واحد في المرّة. جملة مثل «متى بدأت ولماذا وهل ندمت؟» تصل إلى الضيف كسؤال واحد، فيجيب عن آخره فقط.

واطلب مشهداً لا رأياً. سؤال «كيف كان يومك الأوّل؟» أقوى بمراحل من «ماذا تعني لك هذه المهنة؟». الوصف يُترجَم، والمشاعر المجرّدة تضيع في الطريق.

وتجنّب الأمثال والتعبيرات. كل مثل تقوله يخرج من المترجم شيئاً آخر تماماً.

واسأل عن الأرقام والتواريخ بصيغة مباشرة. «كم سنة؟» تصل كما هي. و«منذ متى وأنت في هذا؟» تتحوّل إلى حكاية طويلة بلا رقم في آخرها.

وما تفقده دائماً

النكتة. لا تُترجَم أبداً. صوّر ضحك الضيف واستعمله كما هو.

ونبرة السخرية. قد يقول ضيفك جملة ساخرة فتصلك جادّة تماماً. وانتبه إلى وجهه لتعرف.

والتفاصيل الصغيرة. المترجم يحذفها لأنها تبدو له غير مهمّة، وهي غالباً أجمل ما في الكلام كلّه.

والعلاج الوحيد لهذا: بعد المقابلة، اجلس مع المترجم وشاهدا معاً أهمّ خمس دقائق. واسأله عند كل جملة: ماذا قال بالضبط هنا؟

وستسمع أشياء لم تصلك أثناء التصوير.

وقاعدة أخيرة

لا تجعل المترجم يجيب بدلاً من الضيف.

حين تسأل وتصمت، يملأ بعض المترجمين الصمت بتفسير من عندهم: «هو يقصد أن…». أوقف هذا من أوّل مرّة، وبلطف.

أنت جئت لتسمع رجلاً، لا لتسمع رأي شخص فيه.

الخلاصة

اشرح الفيلم للمترجم. اطلب الترجمة الحرفية. أجلسه بجانب الكاميرا.

واسأل سؤالاً واحداً قصيراً، وانظر إلى ضيفك، وسجّل صوته الأصلي كاملاً.

ثم راجع أهمّ خمس دقائق معه بعد انتهاء التصوير. هناك تجد الفيلم.