قال على العشاء إنه بدأ قناة على يوتيوب. فسأله أحدهم: «والوظيفة؟» وقال آخر: «يعني هتبقى مشهور؟» وضحك الباقون ضحكة لم تكن قاسية ولا لطيفة. وبعد أسبوعين وصل أول فيديو إلى جروب الأصدقاء، فجاءت تحته ثلاث رسائل وضحكتان. فحوّل الفيديو إلى غير مدرج في الليلة نفسها، وبقي أربعة أشهر لا ينشر شيئا.
لم يتوقف لأن الفيديو كان سيئا. توقف لأن أول جمهور رآه كان أسوأ جمهور ممكن: أناس يعرفونه ولا يعرفون ما يفعله.
لماذا يسخرون فعلا
الذي يساعدك أن تفهم أن السخرية غالبا ليست عنك ولا عن قدرتك:
- صورة محفوظة عندهم. كلمة «يوتيوبر» تستدعي في أذهانهم أشخاصا يصرخون في الكاميرا. وهم لا يسخرون منك، بل من صورة في رؤوسهم لا تشبهك.
- قلق مغلف بمزاح. من سأل عن الوظيفة يخاف عليك من طريق لا يعرف نهايته، فقال ما يقوله الناس بدل أن يقول إنه قلق.
- حرج من الكاميرا نفسها. أغلب من حولك يرتبك أمام الكاميرا، ومن يراك تفعل ما يخيفه يداوي ارتباكه بالتعليق.
- شعور بأنهم مادة. بعض من في البيت يخشى أن يصير في فيديو دون أن يستأذنه أحد. وهذا خوف مشروع وسنعود إليه.
ولا شيء في هذه الأسباب يحتاج منك إقناعا. ثلاثة منها تزول بالوقت، والرابع يزول باتفاق واضح.
جملة واحدة تكفي
أكبر خطأ في أول شهر أن تشرح. الشرح يفتح نقاشا، والنقاش يجعلك تدافع، والدفاع يجعل مشروعك قضية على مائدة العشاء.
الجملة التي تكفي: «بدأت أتعلم التصوير والمونتاج والكتابة، وبنشر اللي بتعلمه على قناة.» هذه جملة صادقة ولا تعد أحدا بشيء ولا تطلب موافقة. ومن سأل بعدها عن عدد المشاهدات، أجب بجملة قصيرة وانتقل إلى موضوع آخر.
وثلاثة أشياء لا تفعلها:
- لا تعد بأرقام ولا بمواعيد. «بعد سنة هيبقى عندي مئة ألف» تمنحهم مسطرة تقيسك بها.
- لا تطلب مشاهدة ولا رأيا. رأي من يحبك في فيديوك ليس معلومة.
- لا تجعل أول فيديوهاتك عنهم. لا عن البيت ولا عن العائلة ولا عن أصحابك.
افصل ثلاث دوائر
| الدائرة | ما تعطيها | ما لا تعطيها |
|---|---|---|
| البيت | جملة واحدة، واتفاق على ما يصور وما لا يصور | تفاصيل الأرقام والخطط |
| الأصدقاء | أن يعرفوا، إن أردت | رابط كل فيديو، وطلب مشاركة |
| الجمهور | عملك كله | شيئا من حياتك لم تقرر نشره |
الخلط بين هذه الدوائر هو أصل التعب. الدائرة الثالثة هي التي تبنيها، والأولى والثانية ليستا جمهورك ولا مقياس نجاحك. ومن رفع الفيديو ثم جلس ينتظر رد الدائرة الثانية حكم على عمله بأسوأ معيار.
ومن أراد أن يبدأ دون وجهه أصلا فله ذلك، والطرق موجودة في هل يجب أن تظهر بوجهك في فيديوهاتك؟. وهذا خيار صناعي لا هروب، ولا يجوز أن يكون سببه وحده هروبا من كلام الناس.
متى يكون الاعتراض حقيقيا
وهنا تفصيل مهم: ليس كل ما تسمعه سخرية. بعضه اعتراض يستحق الاحترام والاتفاق لا التجاهل.
إن قالت أمك إنها لا تريد صوتها في فيديو، أو طلب أخوك ألا يظهر وجهه، أو رفض صديقك أن يكون في مقطع، فهذا حقهم كاملا. والقاعدة في تصوير أشخاص آخرين في فيديوهاتك: كيف تطلب الإذن وتحترم خصوصيتهم؟ تسري على البيت قبل أن تسري على الغرباء، وأكثر الخلافات العائلية حول القنوات سببها فيديو نشر فيه أحد دون أن يسأل.
واتفاق من ثلاثة أسطر يحل هذا كله: أي غرفة أصور فيها، ومن يظهر ومن لا يظهر، وأن أي مقطع فيه أحدكم يراه قبل النشر. ومن عرف هذا ارتاح، وقلّ كلامه بعد شهر.
أول عشرة فيديوهات لك لا لهم
في أول شهور القناة، عملك تمرين لا عرض. أنت تتعلم أربع مهن في الوقت نفسه، ومن يقيس تمرينه بأعين الناظرين يتوقف في الأسبوع الثالث.
ضع لنفسك مقياسا لا يراه أحد: كم فيديو نشرت، وهل صار التنفيذ أسهل، وأي شكل أمتعك. والخطة المرتبة في أول عشر فيديوهات: ماذا تصور فيها ولماذا لا تبدأ بأفضل فكرة عندك؟. وإن لم يكن موضوع قناتك واضحا بعد، فالدوائر الثلاث في كيف تختار موضوع قناتك؟.
الذي يحدث بعد ستة أشهر
في تجربة أغلب من استمر، يحدث هذا الترتيب: في أول شهرين تعليقات ومزاح، وفي الشهر الثالث والرابع صمت، وبعد نصف سنة يسألك أحدهم سؤالا تقنيا: «إنت بتعمل المونتاج إزاي؟» وهذا هو التحول. لا يأتي من إقناع، بل من أنهم رأوك مستمرا بلا جدال.
ومن حولك لا يتعلم من كلامك عن المشروع، بل من أنك في السابعة صباحا كل سبت تصور. والاستمرار هو الحجة الوحيدة التي لا جواب عليها، وطريقة الاستمرار بلا إنهاك في كيف تستمر في النشر دون أن تنهك؟.
وإن كان البيت ثقيلا فعلا
في بعض البيوت الأمر أكبر من مزاح، ويصير كل فيديو معركة. في هذه الحالة خفف الواجهة لا الطموح: صور خارج البيت، وانشر بما تريد من خصوصية، وأجّل الكلام إلى حين يكون عندك عمل يتكلم عنك. وحين يصير لديك ما تريه، أره لمن يفرح لك أولا.
ولا تجعل اعتراف من حولك شرطا للاستمرار. أول شخص يجب أن يرى أنك تتقدم هو أنت، وأقرب دليل على ذلك فيديوك الأول بعد عشرة فيديوهات أخرى.
مقالات ذات صلة
-
كيف تختار موضوع قناتك؟ الدوائر الثلاث واختبار العشرين فكرة
أربعة عشر فيديو، ثم توقّف. لا لضعف الكاميرا بل لأن الموضوع نفد. الدوائر الثلاث، وتضييق الموضوع، واختبار العشرين فكرة الذي يوفّر عليك شهوراً.
-
كيف تستمر في نشر الفيديوهات دون أن تنهك؟ خمس قواعد عملية
ثلاثة فيديوهات في الأسبوع لمدّة شهرين، ثم أسبوع واحد ضاغط أنهى كل شيء. لماذا يتوقّف الناس، وخمس قواعد عملية للاستمرار، والراحة التي تمنع الانقطاع.
-
هل يجب أن تظهر بوجهك في فيديوهاتك؟ ما تكسبه وما تخسره
مرّت سنة وأنت تنتظر أن تصير مستعدّاً للظهور، ولم تنشر فيديو واحداً. أشكال تنجح بلا وجه، وحلول وسطى، وسؤال واحد يحسم قرارك.
-
تصوير أشخاص آخرين في فيديوهاتك: كيف تطلب الإذن وتحترم خصوصيتهم؟
قال لك «تصوير؟ ماشي»، ثم اتّصل بعد شهر يطلب حذف الفيديو. الفرق بين موافقة حقيقية وموافقة على شيء لم يفهمه، وقاعدة الأطفال المختلفة تماماً.