تسجيل الصوت في الأماكن المفتوحة: كيف تتعامل مع الرياح والضجيج؟

منشور حُدّث في Say
لقطة قريبة ليد تمسك مايكاً
الصورة: Abdullah Inam عبر Unsplash License

اللقطة التي ضاعت وأنت لا تعرف

تخيّل أنك سافرت يوماً كاملاً لتصل إلى مكان أردت تصويره من زمن. وقفت على حافة البحر، والضوء كان في أجمل ساعاته، والرجل الذي جئت من أجله جلس أمامك وحكى لك حكاية لن تتكرّر.

رجعت إلى البيت، فتحت الملف، وضغطت تشغيل.

وسمعت هديراً. هديراً ثقيلاً يغطّي كل كلمة قالها الرجل، وكأن أحداً وضع مروحة أمام المايك طول المقابلة.

جرّبت كل شيء في البرنامج. خفضت الترددات المنخفضة، وجرّبت أداة إزالة الضجيج، ورفعت الصوت ثم خفضته. وفي كل مرّة كان الهدير يقلّ قليلاً ويأخذ معه صوت الرجل، حتى صار الكلام مكتوماً وغريباً وغير صالح للاستعمال.

وهذه اللحظة هي أقسى درس في الصوت الميداني، ولا أحد يتعلّمه إلا بعد أن يدفع ثمنه.

القاعدة التي تحكم كل ما يأتي بعدها

الصوت السيّئ لا يُصلَح. يُخفَّف قليلاً، ثم يبقى سيّئاً.

انظر كيف تتعامل مع الصورة: تظلم فترفعها، تميل ألوانها فتضبطها، الكادر واسع فتقصّه. الصورة تسامحك كثيراً.

أمّا الصوت فلا يسامح. الصوت المدمَّر يبقى مدمَّراً مهما فتحت من نوافذ في البرنامج.

ولهذا فكل دقيقة تقضيها في ضبط الصوت قبل أن تضغط تسجيل تساوي ساعة كاملة في المونتاج. وفي أحيان كثيرة تساوي مشهداً بأكمله لن تستطيع استعماله أصلاً.

الريح، وهي العدوّ الأول

أول شيء يجب أن تفهمه عن الريح: هي ليست صوتاً عالياً حتى تخفضه.

الريح هواء يضرب غشاء المايك مباشرة. المايك لا يسمع الريح، بل يُضرَب بها. ولهذا لا ينفع معها خفض المستوى، ولا يزيلها أي مرشّح بعد التسجيل. وما يزيلها فعلاً يأخذ صوتك معه، كما حدث في القصة التي بدأنا بها.

والعلاج يكون قبل التسجيل، في ثلاث طبقات مرتّبة.

الطبقة الأولى هي الإسفنجة السوداء التي تأتي مع المايك في العلبة. وهي تكفي لنسمة خفيفة داخل غرفة، ولا تكفي لشيء آخر. لا تعتمد عليها في الخارج أبداً.

الطبقة الثانية هي الفروة الشعرية، الغطاء الذي يشبه شعر حيوان صغير. وهذا هو الحلّ الحقيقي. رخيص، ويوضع في ثانية، ويصنع فرقاً لا يصدّقه من لم يجرّبه. القاعدة عندك من اليوم: لا تخرج للتصوير في الهواء الطلق بدونه.

والطبقة الثالثة هي جسدك أنت. أدِر ظهرك للريح واجعل من تصوّره في حمايتك. جدار، أو سيارة، أو حتى حقيبة مرفوعة في يد صديق. أي حاجز يقطع تيّار الهواء يفعل ما لا تفعله معدّات بمئات الدولارات.

وقبل أن تصوّر المشهد الحقيقي، افعل شيئاً يأخذ نصف دقيقة: سجّل عشر ثوانٍ واسمعها في سمّاعة أذنك. إن سمعت هديراً منخفضاً، غيّر مكانك الآن. ولا تقل لنفسك «سنصلحه في المونتاج»، فأنت الآن تعرف أن هذه الجملة غير صحيحة.

الضجيج: ما يُقبَل وما يُرفَض

ليس كل صوت خلفي مشكلة. صوت السوق في مشهد داخل السوق يخدم الفيلم ويجعله حقيقياً. صوت الموج في مشهد على الشاطئ هو نصف جمال المشهد.

والفرق بين الصوت المفيد والضجيج يقوم على سؤالين.

السؤال الأول: هل يغطّي الكلام؟ لو اضطررت أن تنصت بتركيز لتفهم جملة، فهو ضجيج، مهما كان جميلاً.

والسؤال الثاني هو الذي ينساه الناس: هل يتغيّر بين اللقطات؟ طائرة تمرّ في لقطة ولا تمرّ في التي بعدها تجعل القطع بينهما مسموعاً وواضحاً. المشاهد سيشعر أن شيئاً غريباً حدث، ولن يعرف ما هو، لكنه سيخرج من الفيلم للحظة.

وعلاج المشكلة الثانية بسيط ومجاني. قبل أن تحمل معدّاتك وتغادر المكان، اطلب من الجميع أن يصمتوا، وسجّل دقيقة كاملة من صوت المكان وحده. بلا كلام، وبلا حركة.

هذه الدقيقة تُمدّ تحت المشاهد في المونتاج، فتصنع أرضية صوتية واحدة تخفي كل تغيّر مفاجئ. هي أرخص تأمين في الإنتاج كلّه، ونصف الناس لا يسجّلونها لأنهم يستعجلون العودة.

اقترب بالمايك أكثر ممّا تظنّ

هناك قاعدة واحدة تحلّ أغلب مشاكل الصوت الميداني: قرّب المايك من الفم.

المسافة تعمل ضدّك بسرعة مخيفة. كلّما ابتعد المايك، زاد نصيب الشارع والغرفة في التسجيل، وقلّ نصيب الإنسان الذي جئت لتسجّله.

وعملياً يعني هذا أن مايك الملابس يوضع على الصدر، على بعد راحة يد تحت الذقن. وأن المايك المحمول يُرفَع من فوق خارج الكادر، وأن تكون رأسه موجّهة نحو الفم لا نحو الصدر. أمّا مايك الكاميرا فهو آخر الخيارات، لأنه على بعد مترين يسجّل المكان أكثر ممّا يسجّل الشخص.

ومايك الملابس في الخارج يحتاج فروة صغيرة هو الآخر. وثبّته بعيداً عن الياقة وعن سلسلة الرقبة وعن أي شيء يحتكّ به مع كل نفس.

ما تفعله وأنت واقف في الموقع

اسمع بالسمّاعة، لا بالمؤشّر. المؤشّر يريك المستوى فقط، وهو لا يعرف الفرق بين صوتك وبين هدير المكيّف. سمّاعة بسيطة في أذنك تكشف لك احتكاك القميص، وصوت المروحة في الغرفة المجاورة، والهاتف الذي يهتزّ في جيب أحدهم.

واضبط المستوى على أعلى صوت تتوقّعه، لا على الصوت الهادئ. اجعل القمم تقف حول ناقص اثني عشر. وما فوق ذلك يعرّضك للتشويه، والتشويه لا يُصلَح أبداً.

وسجّل ثانيتين من الصمت قبل الكلام وبعده. ستحتاجهما في المونتاج في كل مرّة بلا استثناء.

اعرف ما لا يُصلَح قبل أن تعتمد عليه

المشكلة هل تُصلَح؟
صوت منخفض قليلاً نعم
هسيس ثابت خفيف نعم، جزئياً
مكيّف أو مروحة بصوت ثابت جزئياً، وبخسارة في الصوت
ريح تضرب المايك لا
تشويه من مستوى عالٍ لا
صدى غرفة فارغة لا
كلام شخصين في وقت واحد لا

والصفّان الأخيران يفاجئان الناس دائماً. الصدى لا يُزال لأنه مخلوط بالصوت نفسه وليس طبقة فوقه. وصوتان متداخلان لا يُفصَلان بأي أداة موجودة اليوم، فاحرص أن يتكلّم واحد في كل مرّة، ولو اضطررت لمقاطعة الحوار وإعادته.

خمس دقائق قبل أن تبدأ

ركّب الفروة على المايك.

ثبّت المايك على مسافة قصيرة، واطلب من الشخص أن يتحرّك حركة كاملة لتختبر الاحتكاك.

سجّل عشر ثوانٍ واسمعها في السمّاعة.

اضبط المستوى على أعلى صوت متوقّع لا على الهادئ.

واسأل نفسك سؤالاً أخيراً: هل أستطيع أن أبتعد عشرة أمتار عن هذا الشارع؟ في أغلب الأحيان تستطيع، والعشرة أمتار تفعل أكثر من أي معدّة.

وفي النهاية، قبل أن تحمل الحقيبة على ظهرك: دقيقة من صوت المكان.

الخلاصة

فروة على المايك، ومايك على مسافة قصيرة، وسمّاعة في أذنك، ودقيقة من صوت المكان قبل المغادرة.

وما لا تستطيع إصلاحه وأنت واقف في الموقع لن تصلحه في أي مكان آخر على وجه الأرض. فغيّر موضعك، أو انتظر حتى تمرّ الشاحنة، أو ارجع في ساعة أهدأ من اليوم.

الرجل الذي حكى لك حكايته على حافة البحر يستحقّ منك خمس دقائق قبل أن تضغط تسجيل.