كيف تجد قصة تستحق أن تصنع عنها فيلما وثائقيا؟

منشور حُدّث في Say
رجل مسنّ يعمل بيديه على حرفة قديمة داخل ورشته
الصورة: Hasan Mrad عبر Unsplash License

الجبل الذي لم يصر فيلماً

تخيّل أنك رأيت صورة لجبل.

صورة واحدة، في وقت متأخّر من الليل، وأنت تتصفّح بلا هدف. الضباب حول القمّة، وطريق ضيّق يلتفّ حولها، وبيت صغير في المنتصف.

وقلت لنفسك: هذا يستحقّ فيلماً.

وبعد شهرين كنت هناك. صعدت الطريق، وصوّرت الضباب في ثلاث ساعات مختلفة، وصوّرت البيت من أربع زوايا، وصوّرت الشروق والغروب، ورجعت ومعك مئة وعشرون مقطعاً كل واحد منها جميل.

ثم جلست أمام الشاشة.

ولم تعرف من أين تبدأ. ولا ماذا تقول. ولا لماذا سيشاهد أحد هذا كلّه.

والسبب بسيط جداً: معك مكان، وليس معك قصة.

المكان خلفية. والقصة شيء يحدث. والمشاهد يكمل الفيديو لأنه يريد أن يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك، لا لأن الصورة جميلة.

السؤالان اللذان يحسمان الأمر قبل أن تسافر

من بطل هذه القصة؟

شخص واحد، له اسم ووجه وصوت. لا «أهل القرية»، ولا «الصيّادون»، ولا «الشباب هناك».

والجماعة لا تصلح بطلاً لأن المشاهد لا يستطيع أن يتعلّق بها. لكنه يتعلّق برجل واحد اسمه سالم، يصلح شباك الصيد منذ أربعين سنة.

والجماعة تظهر خلف سالم. وسالم هو الباب الذي تدخل منه إليهم.

ما الذي سيتغيّر حتى نهاية الفيلم؟

لو انتهى الفيلم والوضع كما بدأ، فما صوّرته تقرير لا فيلم.

والتغيّر لا يعني حدثاً ضخماً. يكفي أن يحاول بطلك شيئاً، أو أن يقترب موعد، أو أن يتّخذ قراراً أمام الكاميرا. الحركة هي ما يمسك المشاهد.

واجمع السؤالين في جملة واحدة: «هذا فيلم عن فلان الذي يحاول كذا قبل أن يحدث كذا».

ولو لم تستطع ملء الفراغات الثلاثة، لا تحجز التذكرة بعد.

أين تجد القصص فعلاً

القصص لا تظهر في نتائج البحث الأولى. وهذه خمسة أماكن تعطي أكثر من غيرها.

مهنة على وشك الاختفاء. آخر من يصنع شيئاً بيده في مدينته. فيه بطل، وفيه ساعة ترنّ.

وشخص يفعل شيئاً غريباً باستمرار. رجل يمشي عشرين كيلومتراً كل جمعة لسبب. والغرابة وحدها لا تكفي، لكنها باب يوصلك إلى السبب.

ومكان يتغيّر الآن. حيّ يُهدَم، أو بحيرة تجفّ، أو طريق جديد يقطع قرية. التغيّر جاهز، وكل ما عليك أن تجد من يعيشه.

ومن يعرفه أهل المكان ولا يعرفه أحد خارجه. اسأل أي سائق أو بائع: من أغرب شخص هنا؟ وستسمع أسماء لا توجد على الإنترنت.

وخبر محلّي قديم. حادثة قبل خمس سنوات، وماذا صار بعدها. والنهايات أغنى من البدايات دائماً.

خمس علامات تقول إن القصة تستحقّ

تستطيع أن تحكيها لصديق في دقيقة، ويسألك سؤالاً بعدها.

وفيها شخص واحد يمكن الوصول إليه، لا فكرة عامّة.

وفيها موعد أو خطر أو قرار ينتظرك في الأمام.

ولا تعرف نهايتها قبل أن تسافر.

ولا تستطيع تصويرها من بيتك. ولو استطعت، فهي مقال لا فيلم.

وثلاث علامات تقول لا

«موضوع مهمّ». والأهمية ليست قصة. الفقر مهمّ، لكن الفقر ليس بطلاً ولا يتغيّر في تسع دقائق.

ونهاية معروفة. لو كنت تعرف ما سيقوله بطلك قبل أن تسأله، فأنت تصوّر رأيك لا قصته.

وبطل لا يريد الظهور. وأجمل قصة بلا موافقة صاحبها هي قصة لن تُصوَّر. اسأل مبكّراً جداً.

اختبار قبل أن تحجز

اكتب الجملة الواحدة، وأرسلها لثلاثة أشخاص لا يعرفون المكان.

واسأل كل واحد: هل تحبّ أن ترى هذا الفيلم؟ وانتبه إلى ردّه الأوّل لا إلى كلامه المهذّب بعده.

والصمت جواب. وسؤال «طيّب وبعدين؟» جواب أفضل.

وماذا لو ذهبت ولم تجد القصة؟

يحدث كثيراً، ولا يعني أن الرحلة ضاعت.

والقصة التي تجدها على الأرض تكون أصدق من التي تخيّلتها في بيتك. ابقَ يومين إضافيين بلا كاميرا، واسمع فقط. وأغلب الأفلام الجيّدة تغيّر موضوعها في أوّل ثلاثة أيام.

لكن احتفظ بشرطك الأصلي: بطل، وتغيّر. ولو لم يظهرا، صوّر ما تستطيع واكتب الفيلم على شيء آخر. ولا تجبر مكاناً على أن يكون قصة.

الخلاصة

بطل واحد، وشيء يتحرّك.

والمكان يأتي بعدهما، والصورة الجميلة تأتي في الآخر.

ابدأ بالسؤال «من؟» قبل «أين؟». فالمكان لا ينتظرك، لكن الناس ترحل وتتغيّر.