حمل الفكرة في رأسه ثلاثة أشهر. كتبها في مخزونه، وجمع لها مادة، وحدد موعد تصويرها. ثم فتح يوتيوب في ليلة عادية فوجد قناة كبيرة نشرت الأسبوع الماضي فيديو بالفكرة نفسها، وبعنوان يشبه العنوان الذي كتبه، وبمليون وسبعمئة ألف مشاهدة. أغلق الحاسوب، وحذف السطر من قائمته، ونام وهو يشعر أنه خسر شيئا.
ولم يكن قد خسر شيئا. كان قد حصل على معلومة مهمة ولم يعرف كيف يقرؤها.
الفكرة مطروقة، والتنفيذ هو الملك
لا أحد يملك فكرة. كم فيديو على الإنترنت عنوانه «كيف تبدأ قناة»؟ وكم فيلم عن رجل يترك المدينة ويعيش في الجبل؟ الموضوعات محدودة، والطرق إليها بعدد الناس.
والذي يجعل مشاهدا يبقى عندك وأنت تتكلم في موضوع سمعه عشر مرات ليس جديد الفكرة، بل أربعة أشياء: من أنت، ومن أين تتكلم، وما تعرفه ولا يعرفه غيرك، وكيف ترتب الكلام. وهذه أربعة لا ينسخها أحد.
ثلاث حالات لا حالة واحدة
افصل بينها قبل أن تقرر، فالناس يخلطونها فيأخذون القرار الخطأ:
- موضوع عام سبقك إليه كثيرون. كالتصوير بالهاتف أو السفر إلى بلد مشهور. هذه ليست مشكلة أصلا، وعدد السابقين فيها دليل على طلب لا على إشباع.
- فكرة بزاوية مشابهة لزاويتك. هذه الحالة التي تحتاج قرارا، وبقية المقال عنها.
- فيديو محدد تريد إعادة صنعه كما هو. بنيته وجمله وصورته المصغرة. هذه ليست فكرة بل نسخ، وسنعود إليها في آخر المقال.
أربعة أسئلة تحسم القرار
هل عندي ما لا يملكه؟ مكان تستطيع الوصول إليه، أو شخص يكلمك ولا يكلمه، أو خبرة عملية عشتها، أو لغة يفهم بها جمهورك ولا يفهم بلغته. أي واحدة من هذه تكفي لتجعل فيديوك مختلفا من أساسه.
هل رأى جمهوري ذلك الفيديو؟ مليون مشاهدة بالإنجليزية في مجال يبحث فيه العربي ولا يجد شيئا تعني أن المساحة أمامك مفتوحة. والتداخل بين الجماهير أقل مما تتخيل.
هل اختلافي في المدخل أم في الشكل فقط؟ أن تقول الكلام نفسه بموسيقى أخرى وصورة مصغرة أخرى ليس اختلافا. أن تدخل الموضوع من سؤال لم يسأله أحد هو الاختلاف.
هل أضيف أم أكرر؟ اقرأ على نفسك سطرين عن فيديوك بعد مشاهدة فيديوه. إن قلت «وفيه كذا لم يذكره» فأنت تضيف. وإن سكت فأنت تكرر.
وإن كان الجواب مترددا، فالفكرة تستحق اختبارا رخيصا قبل أن تصرف عليها أسبوعا، وطرق الاختبار الأربعة في كيف تختبر فكرة قبل أن تصرف عليها أسبوعا؟.
خمسة محاور للتميز في فكرة مطروقة
| المحور | كيف يظهر في فيديوك |
|---|---|
| المكان واللغة | المثال من بلدك، والمصطلح الذي يستعمله جمهورك فعلا |
| الشخص الحقيقي | إنسان أمام الكاميرا بدل كلام عام عن الموضوع |
| العمق | فيديو واحد عن الخطوة الثالثة التي مرّ عليها الآخر في ثلاثين ثانية |
| الشكل | ما قيل في عرض تقديمي، تحكيه مشيا على الأرض |
| صدق التجربة | ما حدث لك بالضبط، بما فيه ما فشل |
وأقوى هذه الخمسة الأخير، لأنه الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يصنع مثله ولو أراد. ومن ملك تجربة شخصية في موضوع مطروق فهو يملك فيديو لم يصنع بعد.
الخط الذي لا يعبر
أن تستلهم زاوية شيء، وأن تعيد إنتاج فيديو شخص آخر شيء مختلف. وما يجعل العمل نسخا:
- البنية نفسها بالترتيب نفسه والمحطات نفسها.
- الجمل مترجمة أو منقولة كما هي.
- الصورة المصغرة والعنوان بنفس التركيب والألوان.
- استخدام مقاطع من فيديوه دون إضافة ولا إذن.
والنسخ ليس خطأ أخلاقيا فقط، بل قرار سيئ عمليا: يجعلك النسخة الباهتة من شيء موجود، ولا يبني لك شيئا تكمل عليه. ومن وقع في الجهة الأخرى ووجد عمله منقولا فالطريق العملي في ماذا تفعل إذا نسخ محتواك؟.
الفيديو السابق مصدر مجاني
وهنا المكسب الذي أهمله صاحبنا. الفيديو الذي سبقك يحمل بحثا جاهزا عن جمهور الموضوع، في مكان واحد: التعليقات.
اقرأ أول مئة تعليق، واكتب ثلاث قوائم: سؤال تكرر ولم يجب عليه الفيديو، واعتراض قاله أكثر من واحد، وطلب صريح من نوع «كنت أريد أن أعرف كذا». هذه القوائم الثلاث هي خريطة فيديوك، ومن بناها صنع فيديوا ثانيا يكمل الأول لا يزاحمه.
والسؤال الذي يتكرر في تعليقات فيديو ناجح هو أقرب شيء إلى فكرة مضمونة في هذا العمل كله.
متى تترك الفكرة فعلا
في حالتين فقط:
- إن كان كل ما تضيفه إعادة ترتيب. راجعت الأسئلة الأربعة ولم تجد شيئا عندك ليس عنده. اتركها واكتب بجانبها سبب الترك.
- إن كانت الفكرة ليست لك من أصلها. أعجبك الفيديو لا الموضوع، وأنت لا تملك فيه تجربة ولا سؤالا. هذه فكرة مستعارة ويظهر ذلك في الفيديو.
وفي الحالتين لا تحذف بسرعة. اكتب بجانب الفكرة ما وجدته ومتى، فإن الفكرة التي لا تصلح اليوم تصلح حين تصير أهلا لها. ومعايير الحذف الحقيقية في متى تحذف فكرة من مخزون أفكارك؟، وشكل المخزون الذي يبقى حيا في مخزون الأفكار: لماذا يصير مقبرة وكيف يبقى حيا؟.
وإن سبقك أحد بعد أن بدأت
يحدث أن تكون في منتصف التنفيذ فينشر غيرك الفكرة. لا تتوقف ولا تستعجل. أكمل كما كنت، وأضف في فيديوك ما طلبه الناس في تعليقات فيديوه، وانشر بعد أسبوعين لا في اليوم نفسه. الفيديو الذي يأتي ثانيا ويجيب أسئلة الأول يعمل سنوات في البحث.
وفي الآخر، خمس أفكار مطروقة تنفذها بزاويتك أنفع من فكرة بكر واحدة تنتظرها سنة. والزاوية تجدها في من فكرة غامضة إلى فكرة قابلة للتصوير.
مقالات ذات صلة
-
ماذا تفعل إذا قام أحدهم بنسخ محتواك؟
أرسل لك صديق رابطاً: فيديوك كامل على حساب آخر، باسم شخص آخر، بضعف مشاهداتك. أوّل ساعة للتوثيق لا للردّ، وأربع خطوات بالترتيب.
-
مخزون أفكارك: لماذا يتحول إلى مقبرة أفكار وكيف تبقيه حيا؟
جلست لتصوّر، ففتحت قائمة فيها مئتا فكرة، ولم تجد فيها شيئاً. لماذا تموت الفكرة بعد أن تُحفَظ، وثلاث حالات بدل قائمة واحدة، وثلاثة سطور تكتبها مع كل فكرة.
-
من فكرة غامضة إلى فكرة قابلة للتصوير: كيف تنقح فكرتك قبل أن تبدأ؟
جلست أربع ساعات أمام صفحة فارغة تكتب سكربتاً عن الأسواق القديمة، وظننت أن مشكلتك في الكتابة. الفرق بين الموضوع والفكرة، وأربعة أسئلة تنضج بها فكرتك.
-
متى تحذف فكرة من مخزون أفكارك؟
فتحت قائمة أفكارك فوجدت مئة وأربعين فكرة لم تصوّر منها ثلاثاً. سبع علامات تحذف عندها، وما لا تحذفه أبداً، وسؤال واحد يحسم كل فكرة.