من فكرة غامضة إلى فكرة قابلة للتصوير: كيف تنقح فكرتك قبل أن تبدأ؟

منشور حُدّث في Say
شخص يقف أمام حائط عليه ملاحظات صفراء
الصورة: Per Lööv عبر Unsplash License

أربع ساعات أمام صفحة فارغة

تخيّل أنك استيقظت يوم الجمعة وأنت متحمّس. عندك فكرة كنت تنتظر أن تجد وقتاً لها: فيديو عن الأسواق القديمة.

جهّزت القهوة، وجلست، وفتحت صفحة جديدة.

وكتبت العنوان في الأعلى: «الأسواق القديمة».

ثم وقفت.

من أين تبدأ؟ من تاريخ السوق؟ من الباعة؟ من البضاعة؟ من الشكل المعماري؟ ومتى ينتهي الفيديو أصلاً؟ ولماذا سيشاهده أحد؟

وبعد أربع ساعات كنت قد كتبت فقرة واحدة، ثم حذفتها، ثم أغلقت الحاسوب وقلت لنفسك: أنا لا أجيد الكتابة.

ومشكلتك ليست في الكتابة.

ما معك ليس فكرة. ما معك موضوع. والموضوع لا يُصوَّر.

الفرق بين الموضوع والفكرة

الموضوع مساحة واسعة. «الأسواق القديمة» يمكن أن تُصنَع منه مئة فيديو مختلف، ولا أحد منها موجود في الجملة نفسها.

والفكرة قرار داخل تلك المساحة. مثل: «لماذا تبيع ثلاثة محلّات متجاورة الشيء نفسه بالسعر نفسه منذ أربعين سنة؟»

والفرق العملي بينهما بسيط وحاسم: الموضوع لا تعرف أين تضع الكاميرا معه. والفكرة تعرف.

وبين الموضوع والسكربت خطوة ثالثة يقفز فوقها أغلب الناس، فيدفعون ثمنها ساعات أمام صفحة فارغة.

أربعة أسئلة تنقل الموضوع إلى فكرة

ما السؤال؟

اكتب ما معك في صيغة سؤال، بحيث يمكن الإجابة عليه في فيديو واحد.

«الأسواق القديمة» تصير: «كيف يعيش سوق لا يدخله أحد تحت الأربعين؟»

ولو لم تستطع أن تصوغها سؤالاً، فهي ما زالت موضوعاً ولم تصر فكرة بعد.

لمن؟

وليست الإجابة «للجميع». تخيّل شخصاً واحداً حقيقياً يشاهد هذا الفيديو.

والفائدة العملية من هذا السؤال: حين تعرف لمن تتكلّم، تعرف ماذا تشرح وماذا تتجاوز. وهذا وحده يحلّ نصف مشاكل الإيقاع قبل أن تبدأ.

ماذا يعرف المشاهد بعد المشاهدة؟

جملة واحدة يخرج بها من الفيديو.

لو كانت الجملة «عرفت أن الأسواق القديمة جميلة»، فهذه ليست فيديو.

ولو كانت «عرفت أن هذا السوق يعيش على زبائن يأتون من خارج المدينة مرّة في الشهر»، فهذه فكرة، وتستطيع أن تبدأ.

ما اللقطة التي لا يقوم الفيديو بدونها؟

وهذا أهمّ الأسئلة الأربعة وأكثرها إهمالاً.

لقطة واحدة، لو لم تحصل عليها فلا يوجد فيديو. رجل يفتح محلّه في السادسة صباحاً. أو المشتري الذي قطع مئة كيلومتر ليصل.

ولو لم تجد هذه اللقطة، فالفكرة قد تكون مقالاً جيّداً وليست فيديو. والفرق أن الفيديو يحتاج شيئاً يُرى، لا شيئاً يُقال فقط.

اختبار الجملة الواحدة

بعد أن تجيب عن الأسئلة الأربعة، افعل شيئاً يأخذ دقيقة ويوفّر عليك أسبوعاً.

احكِ فكرتك لشخص في جملة واحدة، ثم انتبه جيّداً لردّه.

لو قال «آه، فهمت» بلا اهتمام، فالفكرة واضحة وغير مثيرة، وتحتاج زاوية أخرى.

ولو قال «طيب ليه؟» أو «وإزاي؟»، فأنت ممتاز. سؤاله هذا هو خطّافك، واكتبه كما قاله.

ولو قال «يعني إيه؟»، فالفكرة ما زالت غامضة، وعد إلى السؤال الأوّل من جديد.

علامات الفكرة الجاهزة للتصوير

تُقال في جملة واحدة بلا «يعني» و«وكمان».

وتعرف أوّل لقطة وآخر لقطة فيها.

وتستطيع أن تكتب عنوانها الآن، قبل أن تصوّر شيئاً.

وتعرف ما لن تتكلّم عنه.

والعلامة الأخيرة هي الأصدق فيها كلّها. من لا يعرف ما سيستبعده سيصوّر كل شيء، ثم يكتشف في المونتاج أنه لا يملك فيلماً، بل يملك مادّة.

ومتى تتوقّف عن التنقيح

التنقيح المفرط شكل آخر من التأجيل، وهو أخطر من التأجيل الصريح لأنه يشبه العمل.

توقّف حين تجيب عن الأسئلة الأربعة وتعرف لقطتك الأساسية. وبعدها يأتي التحسين من التصوير نفسه لا من التفكير في الغرفة.

والفكرة التي نُقّحت عشر مرّات تصير باردة. تفقد الشيء الذي جعلك تكتبها أصلاً.

الخلاصة

اسأل أربعة أسئلة: ما السؤال، ولمن، وماذا يعرف بعدها، وما اللقطة التي لا بديل عنها.

ثم احكِ الفكرة لشخص في جملة واحدة.

لو سأل «ليه؟»، أغلق الحاسوب واذهب لتصوّر.