فتح إحصاءات قناته لينظر في بلدان المشاهدين. كان يظن أن جمهوره من بلده، فوجد أن أكثر من نصفهم من خارجه، موزعين على ست دول.
ففكر أن المشكلة في كلامه، وصور الفيديو التالي بلهجة ليست لهجته، تقليدا لقناة كبيرة يحبها. وفي التعليقات جاءته جملة واحدة لخصت كل شيء: أنت تتصنع.
ثم جرب الفصحى الكاملة في فيديو ثالث، فخرج الصوت كأنه نشرة أخبار، وأرقام الاستبقاء كانت الأسوأ في قناته.
والمسألة ليست فصحى أم لهجة. المسألة سؤالان معا: هل يفهمك من تتكلم معه، وهل تبدو أنت؟ وأغلب من يخطئ يحل سؤالا منهما ويخسر الآخر.
اعرف من يشاهدك أولا
قبل أي قرار في اللغة، افتح إحصاءات قناتك وانظر في توزيع المشاهدين على البلدان في آخر ثلاثة أشهر.
وهناك ثلاث حالات:
- أغلبية واضحة من بلد واحد. تتكلم بلهجة هذا البلد بارتياح، وهي غالبا لهجتك.
- توزيع على عدة دول بلا أغلبية. هذه الحالة التي تحتاج قرارا، وبقية المقال لها.
- جمهور صغير لم يستقر بعد. لا تبنِ قرارا على مئة مشاهدة. تكلم بلهجتك، وأعد النظر بعد عشرين فيديو. ومن أين يأتي هؤلاء الأوائل أصلا شرحناه في من أين يأتي أول مئة متابع لقناتك؟.
ولاحظ أن الجمهور الحالي نتيجة ما نشرته لا قدر مكتوب. من يصور عن مكان في بلده يجلب جمهور بلده، ومن يصور عن موضوع عام يجلب جمهورا أوسع.
ثلاثة خيارات لكل واحد موضعه
1. لهجتك كما هي. أقوى الخيارات في الحضور والصدق، وأسهلها عليك. وأنت أمام الكاميرا تبدو إنسانا لا مذيعا. وثمنها أن كلمات محلية جدا قد تمر بلا أن تُفهم.
2. لهجتك مخففة. وهذا ما يفعله أغلب من يصل إلى جمهور عربي واسع: نبرتك ولهجتك، وبلا الكلمات المحلية الخاصة جدا، وبمفردات يفهمها الناس في كل مكان. تحتاج انتباها في الكتابة لا في النطق.
3. الفصحى المبسطة. فصحى بلا تعقيد ولا تفخيم: جمل قصيرة، ومفردات عادية، ونبرة كلام لا نبرة خطابة. تناسب التعليق الصوتي في الوثائقي والمحتوى التعليمي، وتضعف في الفلوج والكلام المباشر أمام الكاميرا.
وهناك خيار رابع لا يصلح: أن تتكلم بلهجة قوم ليست لهجتك. الناس يميزون هذا في ثلاث جمل، وما تخسره من ثقة أكبر بكثير من المشاهدات التي تظن أنك تكسبها.
جدول قرار بحسب نوع المحتوى
| نوع المحتوى | الأنسب غالبا | السبب |
|---|---|---|
| فلوج وكلام مباشر إلى الكاميرا | لهجتك | الحضور الشخصي هو المادة نفسها |
| تعليق صوتي في فيلم وثائقي | فصحى مبسطة أو لهجة مخففة | الصوت يحمل سردا لا شخصية |
| شرح تعليمي وخطوات | فصحى مبسطة | الوضوح أهم من القرب |
| مقابلة مع شخص | لهجته هو، وأنت بلهجتك | لا تُرهق من تصوره بلغة ليست لغته |
| مقاطع قصيرة | لهجتك | الوقت قصير والقرب يحسم في ثانيتين |
ولاحظ أن الفيديو الواحد قد يجمع اثنين: تعليق صوتي بالفصحى المبسطة، وكلام أمام الكاميرا بلهجتك. وهذا ليس تنافرا، بل هو ما يفعله كثير من أحسن ما تشاهده.
أربع قواعد تجعلك مفهوما
1. استبدل الكلمة المحلية جدا بكلمة عامة. لا تغير لهجتك، غير مفرداتك. كل لهجة فيها كلمات يعرفها الجميع وكلمات لا يعرفها إلا أهل منطقة واحدة، والثانية هي التي تُستبدل.
2. اشرح المصطلح المحلي مرة حين يمر. إن كانت الكلمة جزءا من الحكاية، فقلها واشرحها في أربع كلمات. هذا يضيف للجميع ولا يأخذ من أحد.
3. انتبه للمراجع لا للكلمات وحدها. العملة، والمسافات، والأسعار، وأسماء المحال والمسلسلات والشخصيات المحلية. من يسمع رقما بعملة لا يعرفها يتوقف ليحسب. أضف ما يقرب المعنى: «يعني أجرة يوم عمل هنا».
4. اجعل الترجمة المكتوبة هي الجسر. هذا أرخص حل وأفضله: تتكلم كما أنت، والترجمة تحل ما قد لا يُفهم. وقواعدها بالعربية في النص على الشاشة والترجمة: لماذا يشاهد الناس الفيديو بلا صوت؟.
العنوان والوصف مسألة أخرى
الكلام في الفيديو يحتمل لهجتك، وأما العنوان فله حساب مختلف: الناس يبحثون بعبارات محددة، وكثير منها فصحى أو كلمات شائعة بين كل الدول.
فقد يكون الصواب أن تتكلم بلهجتك في الفيديو وتكتب العنوان بالعبارة التي يكتبها الناس في البحث، وهذا ما بحثناه في كيف يجد الناس فيديوهاتك في البحث؟.
ولا تبدل في كل فيديو
أسوأ من أي خيار أن تتنقل بين الخيارات. المتابع يتعرف على صوت، فإن وجده يتغير كل أسبوع لم يعرف إلى من يعود.
اختر واحدا، واستمر عشرة فيديوهات، ثم اقرأ الأرقام والتعليقات: هل جاءك سؤال واحد عن معنى كلمة؟ هل نزل الاستبقاء في الفيديوهات التي جربت فيها لغة أخرى؟
وحين تختار، أعلن القرار لنفسك لا لجمهورك. لا تبدأ فيديوهاتك باعتذار عن لهجتك، فالاعتذار يصنع مشكلة لم يكن أحد يراها.
وما يبقى أهم من اللهجة
قد تظن أن اللهجة سبب ضعف قناتك، وهي في الأغلب ليست السبب. الفكرة، والوضوح، والدقيقة الأولى، كلها أثقل في الميزان من اختيارك بين كلمتين.
ولا تمدد الكلام في هذا القرار أسابيع. اختر، وصور، وتعلم من جمهورك الذي صار يتكلم معك. وحدود هذا الحوار وكيف تحفظ طاقتك فيه في حدودك مع جمهورك: كيف تحافظ على القرب بلا أن تستهلك نفسك؟.
وإن كنت تنشر على منصات مختلفة، فاعلم أن اللغة من الأشياء التي تتغير بتغير المنصة مثل غيرها، وهذا من تفاصيل سكربت واحد لعدة منصات.
مقالات ذات صلة
-
سكربت واحد لعدة منصات: كيف تخطط للمحتوى دون نسخ أعمى بين المنصات؟
رفع المقطع نفسه على ثلاث منصات، فخرج ضعيفاً في الثلاث معاً. كيف تفصل الجوهر عن الغلاف، وما الذي يتغير بتغيّر المنصة، ومتى تمتنع عن النشر أصلاً.
-
النص على الشاشة والترجمة: لماذا يشاهد الناس الفيديو بلا صوت؟
رجل في مترو يفتح فيديوك، ولا يستطيع تشغيل الصوت، فيغلقه بعد ثانيتين. لماذا الترجمة ليست رفاهية، والفرق بينها وبين النصّ على الشاشة، وقواعدها بالعربية.
-
من أين يأتي أول مئة متابع لقناتك؟
تسعة فيديوهات في أربعة أشهر، وأربعة عشر متابعاً. لماذا لا تأتي المئة الأولى من الخوارزمية، وخمسة أماكن يأتون منها فعلاً، وما لا ينفع.
-
كيف يجد الناس فيديوهاتك في البحث؟ الكلمات التي يكتبها المشاهد العربي فعلا
فيديوان عن الموضوع نفسه، أحدهما مات بعد أسبوع والثاني ما زال يجلب مشاهدات بعد سنتين. الفارق كان في جملة واحدة: العبارة التي يكتبها الناس فعلا وهم يبحثون.