قرّر أن يوفّر وقته فاستعان بمونتير. نقل إليه مجلداً فيه ثلاثمئة ملف بأسمائها كما خرجت من الكاميرا، وكتب رسالة واحدة: «اعمل شيئاً جميلاً، أثق بذوقك».
رجعت النسخة الأولى بعد أسبوع. لم تكن سيّئة، لكنها لم تكن الفيديو الذي في رأسه: البداية التي كان يحبّها محذوفة، والموسيقى صاخبة، ولقطة الرجل الذي سافر من أجله تظهر أربع ثوانٍ.
فأرسل ملاحظات. ثم ملاحظات على الملاحظات. وفي الجولة الخامسة كان الوقت الذي أنفقه على المراجعة أطول من وقت التصوير كله، وكان المونتير قد فقد حماسه، والفيديو تأخّر أسبوعين.
المشكلة لم تكن في مهارة المونتير. المشكلة أنه استلم ملفات، ولم يستلم فيلماً في رأس أحد.
جولات التعديل ثمن التسليم الناقص
كل جولة تعديل هي سؤال لم تجب عنه قبل أن تسلّم. «الموسيقى صاخبة» تعني أنك لم تحدّد الموسيقى. «البداية ليست كما أريد» تعني أنك لم تعطِ خريطة.
والمونتير ليس قارئ أفكار. هو ينفّذ ما فهمه، وما فهمه هو ما أعطيته.
حزمة التسليم: سبعة أشياء
اجعلها قائمة ثابتة تكرّرها مع كل فيديو:
1. خريطة الفيديو. السكربت إن كان عندك، أو ورقة فيها: سؤال الفيديو، وترتيب الأقسام، وأين تكون اللحظة القوية، وكيف تنتهي. صفحة واحدة تكفي.
2. مجلد مرتّب بأسماء مفهومة. لا «C0012.MP4»، بل «مقابلة-الرجل-1»، و«لقطات-السوق»، و«التعليق-الصوتي». وهذا يبدأ من طريقة تسميتك أنت أثناء التصوير، وقد فصّلناها في كيف تنظم ملفات التصوير على جهازك ولا تضيع لقطة.
3. قائمة اللحظات المهمة بتوقيتها. وهذه أنفع ورقة في الحزمة كلها: «مقابلة-1 عند 04:12، الجملة التي يجب أن تكون في الفيديو»، «لقطات-السوق عند 01:30، الطفل الذي يضحك». عشرة أسطر توفّر على المونتير يوماً من المشاهدة، وتحفظ لك اللحظات التي سافرت من أجلها.
4. مرجع بصري واحد. فيديو واحد تقول فيه بالتحديد ما تريده منه.
5. الأصول: الموسيقى (أو مصدرها المرخّص)، والخطوط، والشعار، وشكل النصوص على الشاشة.
6. المواصفات: المدة المطلوبة، والمنصّة، ونسبة الأبعاد، وهل تحتاج نسخة عمودية.
7. الاتفاق: الموعد، والمقابل، وعدد جولات التعديل.
المرجع البصري: الجملة التي توفر أسبوعا
لا تقل «أريد شيئاً سينمائياً». هذه الكلمة تعني لكل شخص شيئاً مختلفاً.
بل أرسل فيديو واحداً وقل ثلاث جمل:
«أعجبني في هذا الفيديو: القطع البطيء في المشاهد الهادئة، والموسيقى منخفضة جداً تحت الكلام، والنصوص بسيطة في أسفل الشاشة».
«ولا أريد منه: المؤثرات الصوتية عند كل قطع».
«والفيديو الذي لا أريد أن يشبهه هو هذا، لأن إيقاعه سريع جداً».
هذه الجمل الثلاث تفعل ما لا تفعله عشر رسائل من التوصيف بالكلمات المجرّدة.
اكتب ملاحظاتك بالتوقيت
أكبر سبب في الجولات التي لا تنتهي هو الملاحظة العامة: «الفيديو ثقيل»، «شيء ما ناقص»، «لم أحبّه».
الملاحظة القابلة للتنفيذ ثلاثة أجزاء: التوقيت + ما المشكلة + ما البديل:
- «02:14 ← اللقطة تطول، اقطعها بعد الثانية الثانية».
- «04:30 ← الموسيقى تغطّي كلامه، أنزلها».
- «07:50 ← هذه اللقطة مكرّرة، استعمل بدلها لقطات-السوق عند 01:30».
واجمع ملاحظاتك كلها في رسالة واحدة مرتّبة بالتوقيت، ولا ترسلها متفرّقة كلما فتحت الفيديو. الرسائل المتفرّقة هي ما يجعل الجولة الواحدة تصير ثلاثاً.
ورتّبها بالأهمية: ما يجب تغييره، وما أفضّل تغييره، وما هو ملاحظة للفيديو القادم لا لهذا.
جولتان لا خمس
اكتب في الاتفاق منذ البداية: جولتا تعديل داخل السعر، وما بعدهما يُحسب.
هذه الجملة تغيّر سلوك الطرفين: أنت ستجمع ملاحظاتك بجدية بدل أن ترسلها كلما خطرت لك، والمونتير سيفهم أن للعمل نهاية.
واجعل الجولة الأولى على نسخة أولية لا على فيديو كامل التشطيب: ترتيب اللقطات والإيقاع فقط، بلا موسيقى ولا نصوص ولا ألوان. فمراجعة الترتيب قبل التشطيب توفّر إعادة عمل ساعات، إذ لا معنى لأن يصحّح الألوان في لقطة ستُحذف.
أول تعاون: فيديو تجريبي مدفوع
لا تسلّم مشروع سفرك الأول لمونتير لم تعمل معه. ابدأ بفيديو صغير مدفوع (فيديو قصير أو مقطع من فيديو قديم) وانظر إلى ثلاثة أشياء: هل يحترم الموعد، وهل يفهم الملاحظة من المرة الأولى، وهل يسأل أسئلة قبل أن يبدأ. من يسأل قبل أن يبدأ هو الذي يستحقّ أن تعمل معه.
ما يجب أن يكون واضحا قبل أول ملف
الملفات الأصلية تبقى عندك. أعطِ نسخة، ولا تعطِ القرص الوحيد.
ملف المشروع لك. اطلب في آخر العمل ملف المونتاج نفسه لا الفيديو المصدَّر فقط، حتى تستطيع تعديل شيء بعد سنة أو تسليمه لمونتير آخر.
الموسيقى والأصول برخصة باسمك. لا تعتمد على ما «معه» من مقاطع.
الصوت النهائي مسؤوليته أو مسؤوليتك؟ حدّدها، لأنها أكثر ما يُنسى ثم يُختلف عليه. ومعايير القبول عندك تجدها في مستويات الصوت في الفيديو النهائي.
وإن صار معك أكثر من شخص (مونتير ومصمّم ومساعد)، فالتنظيم يصير موضوعاً أوسع تكلّمنا عنه في كيف تنظم عمل فريق صغير على قناة واحدة.
نصف ساعة قبل أن ترسل
قبل أن تضغط «إرسال» على مجلد المشروع، اجلس نصف ساعة وافعل هذا:
شاهد لقطاتك بسرعة واكتب عشرة أسطر: اللحظات بتوقيتها. ثم اكتب صفحة الخريطة. ثم أرفق المرجع البصري بثلاث جمل. ثم اكتب المدة والمنصّة وعدد الجولات في رسالة واحدة.
نصف ساعة من عندك توفّر أسبوعاً من الجولات، وتوفّر على المونتير أن يخمّن ما في رأسك. وأكثر التعاونات التي تفشل لم تفشل لضعف المهارة، بل لأن أحداً لم يكتب الفيلم قبل أن يسلّمه.
مقالات ذات صلة
-
كيف تنظم عمل فريق صغير على قناة واحدة؟
ثلاثة أشخاص وسكربت واحد، وأسبوعان من النقاش بلا تصوير. ثلاث قواعد تنقذ الفريق الصغير: مالك واحد لكل فيديو، وفصل الكتابة عن المراجعة، ومكان واحد للسكربت.
-
كيف تنظم ملفات التصوير على جهازك ولا تضيع لقطة؟
بحثت ساعتين عن لقطة تعرف أنك صوّرتها، ثم استسلمت وصوّرتها من جديد. ثلاث قواعد للتنظيم تصمد وأنت متعب، وما يُغفَل ويكلّف كثيراً.
-
مستويات الصوت في الفيديو النهائي: كيف توازن الكلام والموسيقى والصوت المحيط؟
ضبط الصوت بسماعة رأس ونشر، فجاءه تعليق: لا نسمع كلامك. لماذا تكذب سماعتك، وثلاث طبقات لكل منها رقمها، وكيف تخفض الموسيقى تحت الكلام، وفحص ثلاث دقائق قبل التصدير.
-
أول شخص تستعين به: بأي مهمة تبدأ وكيف تجربه؟
فوض كتابة السكربت أولا لأنها أتعبته، فجاء نص لا يشبهه فأعاد كتابته كله. والمهمة التي كان يجب أن يفوضها كانت في مكان آخر. قاعدة التفويض، وتمرين أسبوع يحدد أول مهمة.