الفيديو الذي لا تستقرّ فيه عين
وصله الجيمبل فجرّبه في البيت أولاً. حركة ناعمة، وانزلاق جميل، وشعور بأن الصورة صارت سينمائية.
وفي رحلته التالية لم يضعه من يده.
صوّر السوق وهو يمشي. وصوّر المطعم وهو يدور حول الطاولة. وصوّر البحر بحركة انزلاق طويلة. وحتى الشخص الذي حاوره، صوّره وهو يتحرّك حوله ببطء.
ثم فتح المادة في المونتاج.
كل لقطة جميلة وحدها. وحين وصلها صار الفيديو متعباً: الصورة لا تثبت لحظة، والعين تبحث عن نقطة ترتاح عندها ولا تجدها. يشبه إعلاناً عقارياً أكثر مما يشبه فيلماً.
فعاد يبحث في المادة عن لقطة ثابتة واحدة يبدأ بها. ولم يجد.
المفردات أولاً
البان (Pan): دوران الكاميرا أفقياً حول محورها وهي ثابتة في مكانها، كأنك تدير رأسك يميناً ويساراً.
التيلت (Tilt): دوران الكاميرا عمودياً حول محورها، كأنك ترفع رأسك أو تخفضه.
التتبّع (Tracking أو Dolly): انتقال الكاميرا نفسها في المكان، إلى الأمام أو الخلف أو بمحاذاة الموضوع.
الرفع (Crane أو Jib): انتقال الكاميرا رأسياً لأعلى أو لأسفل.
المحمول باليد (Handheld): كاميرا في اليد بلا مثبّت، فيها اهتزاز طبيعي.
الجيمبل (Gimbal): مثبّت يلغي الاهتزاز فتبدو الحركة انسيابية.
الفرق الجوهري: الزوم ليس تتبّعاً
هذا التمييز يخلط فيه كثيرون. الزوم (Zoom) يكبّر الصورة بصرياً دون أن تتحرك الكاميرا، فتظلّ العلاقة بين المقدمة والخلفية كما هي. أما التتبّع فتتحرك فيه الكاميرا فعلياً، فتتغيّر زوايا النظر وتنزلق الخلفية بالنسبة للمقدمة.
النتيجة أن التتبّع يعطي إحساساً بالعمق والدخول إلى المشهد، والزوم يعطي إحساساً بالمراقبة من بعيد. والزوم البطيء أثناء التصوير من علامات الهواة في أغلب الحالات، لأن العين لا ترى بهذه الطريقة أبداً.
القاعدة الحاكمة: الحركة المبرَّرة
قبل أي حركة اسأل: ما الذي تضيفه؟ والإجابات المشروعة ثلاث.
متابعة: الموضوع يتحرك فتتحرك معه لتبقيه في الإطار.
كشف: تبدأ على شيء ثم تكشف شيئاً آخر لم يكن ظاهراً. وهذه من أقوى الحركات لأنها تحمل معلومة.
تغيير العلاقة: الاقتراب البطيء يزيد التوتر أو الحميمية، والابتعاد يخلق مسافة أو عزلة.
وإن لم تجد إجابة من هذه الثلاث، فالثبات أفضل.
ولو طبّق صاحبنا هذا السؤال على لقطاته لوجد أن أغلبها لا يجيب عنه بشيء. كان يتحرّك لأن الجهاز في يده.
لماذا الثبات أقوى مما تظن
المبتدئ يظن أن الحركة تجعل الفيديو يبدو احترافياً، والحقيقة عكس ذلك غالباً. فاللقطة الثابتة المركّبة جيداً تسمح للمشاهد بقراءة الصورة، بينما الحركة المستمرة تمنعه من الاستقرار على أي شيء.
انظر إلى أي فيلم وثائقي جيد: أغلب لقطاته ثابتة، والحركات قليلة ومقصودة، ولهذا يكون لها أثر حين تأتي.
والقاعدة العملية للمبتدئ: اجعل ثمانين في المئة من لقطاتك ثابتة. ستجد الفيديو صار أهدأ وأسهل مشاهدةً فوراً.
ابدأ ثابتاً وانتهِ ثابتاً
هذه أهم نصيحة عملية في هذا المقال: عند تصوير أي حركة، سجّل ثانيتين ثابتتين قبل بدء الحركة وثانيتين ثابتتين بعد انتهائها.
السبب أن المونتير، وقد تكون أنت، يحتاج نقطة قطع نظيفة. فاللقطة التي تبدأ والكاميرا متحركة أصلاً لا يمكن وصلها بسلاسة بما قبلها، وستضطر إلى استخدامها كاملة أو رميها.
الاهتزاز: متى يكون مقبولاً
الاهتزاز ليس خطأً دائماً. المحمول باليد في مشهد توتّر أو ملاحقة يخدم الإحساس. لكنه في مقابلة هادئة أو لقطة منظر يبدو إهمالاً.
والقاعدة: إن كان الاهتزاز يخدم الشعور فاتركه، وإن كان يحدث لأنك لم تجد حاملاً فهو مشكلة.
وتقليل الاهتزاز دون معدّات ممكن:
- أمسك الكاميرا بيدين وألصق مرفقيك بجسدك.
- استند إلى حائط أو عمود أو ضع الكاميرا على سطح ثابت.
- امشِ بخطوات قصيرة وركبتين مثنيتين قليلاً، لا بخطوات عادية.
- احبس أنفاسك أثناء اللقطات القصيرة الثابتة.
سرعة الحركة
الحركة البطيئة أفضل من السريعة في أغلب الحالات، وأكثر ما يفسد البان هو السرعة الزائدة التي تنتج تقطّعاً في الصورة.
والقاعدة: إن كانت الحركة تلفت الانتباه إلى نفسها فهي سريعة أكثر من اللازم. الحركة الجيدة لا يلاحظها المشاهد، بل يلاحظ ما كشفته له.
اختر الحركة في مرحلة الكتابة
حدّد الحركة في قائمة اللقطات قبل الخروج، لا في الموقع. فالقرار في الموقع يميل إلى الحركة لأنها تبدو ممتعة أثناء التصوير، والقرار على الورق يسأل عن الوظيفة.
اكتب في قائمة اللقطات: «ثابتة» أو «بان بطيء من اليسار يكشف الجبل» أو «تتبّع خلف الشخص». وتفصيل بناء القائمة في مقال: من السكربت إلى قائمة اللقطات: الجسر بين الكتابة والتصوير.
الجيمبل أداة لحظة لا وضع دائم
هذه خلاصة ما حدث لصاحبنا في أول المقال.
استخدم الجيمبل حين تحتاج حركة انسيابية بعينها، وضع الكاميرا على حامل ثلاثي في كل ما عداها. فالفيديو الذي يتحرك في كل لقطة يفقد قيمة الحركة نفسها، لأن ما يتكرّر دائماً لا يعود يعني شيئاً.
التمرين
صوّر المشهد نفسه مرتين: مرة ثابتة، ومرة ببان بطيء. ثم شاهدهما وقرّر أيّهما تحتاج فعلاً.
كرّر هذا في عشرة مشاهد، وستكتشف أنك اخترت الثابتة في أغلبها، وهذا في ذاته الدرس. وتكوين اللقطة الثابتة موضّح في مقال: التكوين وتأطير الصورة: أين تضع الموضوع داخل الإطار.
مقالات ذات صلة
-
من السكربت إلى قائمة اللقطات: كيف تبني الجسر بين الكتابة والتصوير؟
في المونتاج اكتشف أن ثلث تعليقه الصوتي بلا صورة تسنده، وكان قد عاد من السفر. كيف تُشتقّ قائمة اللقطات من السكربت، وقاعدة التغطية، ولماذا تُرتَّب بالموقع.
-
التكوين وتأطير الصورة: أين تضع الموضوع داخل الإطار؟
صورتان للمكان نفسه، إحداهما تشدّك والأخرى لا. الفارق لم يكن الكاميرا بل موضع القدمين. قاعدة الأثلاث، والخطوط الموجِّهة، والعمق، وقائمة فحص قبل كل لقطة.
-
التركيز: لماذا تخرج لقطاتك غير حادة وكيف تضبطه؟
بدت الصورة حادة على شاشة الكاميرا الصغيرة، وفي الحاسوب كانت عيناه ناعمتين وأذنه حادة. ستة أسباب لعدم الحدة، والفرق بين التركيز والاهتزاز، وقاعدة التركيز اليدوي الثابت.
-
بأي دقة ومعدل إطارات تصور؟ إعدادات تضبطها مرة وتنساها
صور بأعلى كل شيء، فامتلأت أربع بطاقات وتعثر الحاسوب، وخرج الفيديو على يوتيوب مثل فيديو صاحبه الذي صور بإعداد عادي. ما تكسبه الدقة الأعلى فعلا، ومعدل الإطارات الذي يحدد شكل الحركة، وجدول قرارات.