دخل سوق التوابل في الحادية عشرة صباحا، وهي أسوأ ساعة يمكن أن يدخل فيها. رفع الكاميرا على كتفه ومشى في الممر الأوسط. في الدقيقة الثانية دفعته عربة يد إلى الجانب، وفي الرابعة سأله بائع: «بتصور إيه؟»، وفي السابعة وقف أمام العدسة رجل يريد أن يعرف من أعطاه الإذن. خرج بعد نصف ساعة ومعه عشرون دقيقة من صورة مهتزة، وصوت مليء بالضجيج، ولا لقطة واحدة تصلح لأن تكون بداية مشهد.
المشكلة لم تكن الزحمة. الزحمة هي سبب وجوده هناك أصلا. المشكلة أنه دخل بلا خطة إلى مكان لا يمنحك وقتا للتفكير.
الزحمة ليست عدوك، الوقت هو عدوك
في غرفة مغلقة تملك الوقت: تحرك المصباح، تجرب ثلاث زوايا، تعيد اللقطة. في السوق لا تملك شيئا من هذا. كل شيء يتحرك، والضوء يتغير كل عشر خطوات، والناس ينتبهون إليك في ثوان. لهذا يقاس نجاحك في السوق بما قررته قبل أن تدخل، لا بما ستفكر فيه وأنت داخل.
القاعدة العملية: كل قرار يمكن أن تتخذه في البيت، اتخذه في البيت. ما العدسة؟ ما الإعدادات؟ ما اللقطات الخمس التي تريدها؟ من أين ستصورها؟ إن دخلت وأنت تعرف الأجوبة، صار عملك في السوق تنفيذا لا بحثا.
اذهب مرة أولى بلا كاميرا
هذه أهم نصيحة في المقال كله، وأكثرها إهمالا. زر السوق قبل يوم التصوير، ولا تحمل شيئا. امش فيه نصف ساعة وانظر في أربعة أشياء:
- الممرات: أيها واسع يسمح بالوقوف، وأيها ضيق يجبرك على المشي؟
- الضوء: من أين يدخل؟ هل هناك فتحات في السقف تصنع أعمدة ضوء؟ في أي ساعة تكون في أجمل حالها؟
- الساعات: متى يفتح السوق؟ ساعة الفتح الأولى تعطيك مكانا شبه فارغ مع بائعين يرتبون بضاعتهم، وهذا مشهد جيد في ذاته. ساعة الذروة تعطيك الحياة والحركة والضجيج.
- الأشخاص: من هو البائع الذي ابتسم لك؟ من الذي ينظر بريبة؟ الأول هو بابك إلى السوق كله.
في هذه الزيارة تحدث مع بائع أو اثنين بلا كاميرا. عرف نفسك، اشتر منهم شيئا، قل إنك ستأتي غدا لتصور. في الغد ستجد لك حليفا في المكان، وهذا يغير كل شيء. وإن كنت في بلد لا تعرفه، فهذه أيضا مهمة الصاحب المحلي.
ثلاثة مواقع ثابتة بدل التنقل العشوائي
الخطأ الأكبر في تصوير الأسواق هو المشي المستمر بالكاميرا مرفوعة. تحصل على مادة كثيرة لا تصلح لشيء، وتجذب انتباه الجميع.
بدلا من ذلك اختر ثلاثة مواقع، وقف في كل واحد خمس دقائق، وصور منه ما يمر أمامك:
- موقع مرتفع أو بعيد: من أول الممر، أو من درجة سلم، أو من طابق أعلى. يعطيك اللقطة الواسعة التي تقول «هذا هو المكان».
- موقع في القلب: زاوية ركن لا تعيق المرور، حيث تمر الناس أمامك من الجهتين. يعطيك الحركة والعمق.
- موقع عند بائع واحد: يداه، الميزان، الأكياس، وجهه وهو يتكلم مع مشتر. يعطيك التفاصيل والوجوه، وهي التي تجعل المشهد إنسانيا لا سياحيا.
الثلاثة معا تصنع مشهدا كاملا: واسع، متوسط، قريب. هذا ما سيبحث عنه المونتير، وهذا ما ستشكر نفسك عليه.
كلما صغرت معداتك قلت الأسئلة
هناك علاقة مباشرة بين حجم الكاميرا وعدد الناس الذين يوقفونك. كاميرا صغيرة بعدسة ثابتة تجعلك سائحا. كاميرا كبيرة مع ميكروفون طويل وحامل تجعلك فريق إنتاج، والناس يتعاملون مع فريق الإنتاج بطريقة أخرى.
للسوق تحديدا: عدسة واحدة واسعة نسبيا تكفي. لا تغير العدسات في وسط الزحمة لأن الغبار في كل مكان والوقت ليس في صالحك. اترك الحامل في الحقيبة واستعمل يدك أو مثبتا صغيرا. علق حزام الكاميرا حول رقبتك لا على كتفك، فالحزام على الكتف ينزلق في الدفع.
ماذا تقول لمن يسألك
سيسألك أحدهم. توقع هذا واستعد له بجملة واحدة قصيرة تحفظها بلغة المكان إن استطعت: من أنت، ماذا تصور، وأين سيظهر. مثال: «أنا أصنع فيديو عن السوق لقناتي على يوتيوب، وأصور المكان لا الأشخاص».
ثم اعمل بثلاث قواعد:
- إن قال لك أحد «لا تصورني»، أنزل الكاميرا فورا واشكره. لا تجادل ولا تشرح. القاعدة الكاملة في تصوير أشخاص آخرين: الإذن والاحترام.
- إن جاءك من يقول إنه مسؤول السوق، توقف واسمع. كثير من الأسواق المسقوفة ملك خاص وإن بدت عامة، وهذا الفرق شرحته في التصوير في الأماكن العامة.
- إن طلب بائع مقابلا ماديا لتصويره، لك أن تدفع أو ترفض، لكن قرر مبدأك قبل أن تسافر لا في اللحظة.
الصوت: سجله منفصلا ومرتين
صوت السوق هو نصف المشهد. لكن الصوت الذي يدخل في كاميرتك وأنت تمشي لا يصلح لشيء غالبا. اصنع شيئين:
اجعل مسجلا صغيرا أو هاتفك يسجل دقيقتين كاملتين من صوت المكان وأنت واقف ساكن. هذا يسمى صوت الأجواء، وهو الذي يملأ فراغات المونتاج ويخفي القطعات.
وإن أردت أن تسجل كلام بائع، أخرجه من قلب الزحمة إلى ركن أهدأ بخطوتين، وقرب الميكروفون منه. التفاصيل الباقية في تسجيل الصوت في الأماكن المفتوحة.
كيف تمشي بكاميرا في ممر ضيق
إن أردت لقطة متحركة تسير فيها بين الناس، فهذه شروطها: اضبط التركيز على مسافة ثابتة ولا تتركه يبحث، امش بخطوات قصيرة من الركبة لا من الكتف، انظر إلى الشاشة بطرف عينك وإلى الطريق بعينك الكاملة، وسجل أطول من حاجتك بكثير. من كل دقيقة مشي ستأخذ ثماني ثوان صالحة، وهذا معدل طبيعي لا فشل.
متى تتوقف
لا تخرج من السوق لأن بطاقتك امتلأت. اخرج لأنك حصلت على قائمتك. اجلس على مقهى قريب، افتح الكاميرا، وراجع: هل عندي اللقطة الواسعة؟ الحركة؟ الوجه؟ اليدان؟ دقيقتا صوت الأجواء؟ إن نقص شيء فالسوق على بعد خطوات. وإن كانت القائمة كاملة فقد أنجزت المشهد، وأي دقيقة إضافية ستصورها هي دقيقة أخرى ستحذفها في المونتاج.
مقالات ذات صلة
-
التصوير في الأماكن العامة: ما الذي يجب أن تعرفه قبل أن تخرج بالكاميرا؟
نصبت الحامل في المول، وبعد أربع دقائق وقف أمامك رجل الأمن. لماذا «يبدو عاماً» لا يعني «عام»، وكيف تسأل عن الإذن، وماذا تفعل إن طُلب منك التوقّف.
-
تصوير أشخاص آخرين في فيديوهاتك: كيف تطلب الإذن وتحترم خصوصيتهم؟
قال لك «تصوير؟ ماشي»، ثم اتّصل بعد شهر يطلب حذف الفيديو. الفرق بين موافقة حقيقية وموافقة على شيء لم يفهمه، وقاعدة الأطفال المختلفة تماماً.
-
الصاحب المحلي في بلد غريب: من يفتح لك الأبواب وكيف تجده؟
ضاعت ثلاثة أيام من أسبوعك في أسئلة بسيطة، ثم قال لك رجل جملة واحدة ففُتح كل شيء. من هو الصاحب المحلّي، والطرق الأربع للوصول إليه، وكيف تجرّبه قبل أن تعتمد عليه.
-
تسجيل الصوت في الأماكن المفتوحة: كيف تتعامل مع الرياح والضجيج؟
سافرت وصوّرت مشهداً جميلاً، ثم فتحت الملف فوجدت هديراً بدل الكلام. لماذا لا يُصلَح الصوت السيّئ، وكيف تُعالَج الريح، ودقيقة واحدة تنقذ مونتاجك.