كان عنده تسعمئة متابع، وكان مبسوطا بعلاقته بهم. كل سؤال يأتي إليه، وكل تعليق يرد عليه، وكل رسالة يجيب عنها بنفسه. وكان يرى هذا نجاحا.
ثم سافر أسبوعا بلا إنترنت جيد. ورجع فوجد أربعين سؤالا لا جواب لها، وتعليقات انتهت عند بعضها، وشخصا كتب: «سألت ولم يرد أحد».
لم يكن عنده مجتمع. كان عنده تسعمئة علاقة تمر كلها من خلاله. وهو وحده في المنتصف، وإن تعب توقف كل شيء.
الفرق بين جمهور ومجتمع
الجمهور شكل نجمة: أنت في الوسط وكل الخطوط تصل إليك. والمجتمع شكل شبكة: الخطوط بين الناس أنفسهم، وأنت أحد نقاطها لا كلها.
وهذا فرق عملي لا فلسفي. في الشكل الأول، كل نمو يزيد عملك. وفي الثاني، كل عضو جديد يضيف قيمة لغيره بلا أن يضيف إليك عملا. والفرق يظهر في علامة واحدة: هل يجيب متابعوك عن أسئلة بعضهم؟
متى تبدأ ومتى لا تبدأ
لا تفتح مجموعة لأن الجميع يفتحون مجموعات. والعلامات الثلاث التي تقول إن الوقت مناسب:
- سؤال يتكرر من عشرة أشخاص مختلفين، وجوابه طويل ويفيد الجميع.
- أحد متابعيك يجيب عن سؤال متابع آخر في التعليقات من تلقاء نفسه.
- عندك إيقاع نشر ثابت، فالمجتمع يحتاج سببا يجتمع حوله، والسبب هو عملك.
وإن لم تكن الثلاث موجودة، فوقتك أنفع في تبويب المجتمع على قناتك، وما يصلح فيه في تبويب المجتمع والمنشورات في قناتك: ماذا تنشر فيه بين الفيديوهات؟.
أين يسكن المجتمع
| المكان | ما يصلح له | ثمنه عليك |
|---|---|---|
| تبويب المجتمع في القناة | أسئلة سريعة وبقاء الناس قريبين من فيديوهاتك | قليل، ولا تملك البيانات |
| جروب على تطبيق محادثة | حوار يومي حميم | إشعارات كثيرة وإشراف دائم |
| منصة مجتمعات بغرف | تنظيم الموضوعات وأرشيف يبقى | يحتاج عددا ليبدو حيا |
| قائمة بريدية بسؤال في آخرها | أهدأ شكل، وتملك القائمة | حوار أبطأ |
| لقاء مباشر شهري | يبني معرفة حقيقية بين الناس | موعد ثابت تلتزم به |
ولا تفتح أربعة أماكن. مكان واحد فيه ثلاثون شخصا يتكلمون أفضل من أربعة أماكن فيها ألف صامت. وأما القائمة البريدية فتظل أثبت ما تملك، كما في النشرة البريدية: ماذا ترسل فيها؟.
أول ثلاثين شخصا
لا تعلن المجموعة للجميع في اليوم الأول. اختر ثلاثين شخصا من أكثر من يعلق ويسأل ويرسل، وادعهم برسالة شخصية فيها سبب: «أفتح مكانا صغيرا لمن يعمل على الشيء نفسه، وأريدك فيه.»
والثلاثون هم الذين سيصنعون نبرة المكان. فإن بدأت بألف شخص مجهولين صار المكان سوقا، وإن بدأت بثلاثين يعرفون بعضهم صار بيتا يتسع بعد ذلك.
ثلاث قواعد تكتبها في أول يوم
اكتبها مثبتة في أعلى المكان، بثلاثة أسطر لا بصفحة:
- موضوع واحد. هذا المكان لكذا، وما خرج عنه ينقل إلى مكانه.
- لا دعاية. لا روابط قنوات ولا خدمات إلا في يوم تحدده أنت.
- احترام. الاختلاف في العمل مرحب به، والإساءة تخرج صاحبها.
والقواعد المكتوبة في أول يوم تحمي المكان لسنة. والقواعد التي تكتب بعد مشكلة تبدو عقابا لشخص بعينه.
كيف تجعلهم يتكلمون
المجموعة لا تتكلم من نفسها في بدايتها، وأنت من يشعلها بثلاثة أشياء ثابتة:
- سؤال أسبوعي في يوم معروف. «على ماذا تعمل هذا الأسبوع؟» أبسط سؤال وأكثره فاعلية.
- تعريف بالأعضاء. عرّف كل عضو جديد بسطر، فالناس يتكلمون مع من يعرفون اسمه.
- مهمة جماعية صغيرة. تمرين واحد في الأسبوع، وكل من ينفذه ينشر نتيجته. وهذا يحول المكان من كلام إلى عمل.
وأقوى ما يبني الشبكة أن تحوّل السؤال إلى غيرك: «فلان عنده تجربة في هذا، سله.» وكل مرة تفعل هذا يصير المكان أقل اعتمادا عليك.
ومن داخل المجتمع يأتي المحتوى
المجموعة أفضل مكان تجمع فيه مادة فيديوهاتك: الأسئلة، والأخطاء، والتجارب، والأمثلة. وهذا هو الشكل الصحيح للمشاركة كما في كيف تشرك متابعيك في صناعة فيديو دون أن تفقد قرارك؟: يشاركون في المادة، والقرار لك.
واطلب الإذن قبل أن تنقل كلام أحد إلى فيديو، ولو كان مكتوبا في مكان عام.
الإشراف بلا أن تصير شرطيا
عيّن شخصا أو شخصين من الثلاثين الأوائل لمساعدتك، بلا منصب ولا لقب، بل باتفاق أن يرحبوا بالجديد ويذكروا بالقواعد.
وتدخل أنت في ثلاث حالات فقط: إساءة، أو دعاية، أو خلاف يتصاعد. وغير ذلك اترك الناس يتكلمون، فالمشرف الذي يرد على كل شيء يحول الشبكة إلى نجمة مرة أخرى.
ما لا يفعله المجتمع
- لا يرفع مشاهداتك. ثلاثون شخصا لن يغيروا رقما، وأثرهم في الجودة لا في العدد.
- لا يعوض ضعف الفيديوهات. المجتمع يجتمع حول عمل، فإن توقف العمل تفرق.
- لا يصلح علاقة متعبة. إن كنت منهكا من التعليقات أصلا فالمجموعة ستزيدك إنهاكا.
حدودك أنت
المجموعة تفتح بابا جديدا على وقتك، فضع له قاعدة من أول يوم: وقت دخول محدد، وإشعارات مغلقة في باقي اليوم، وإعلان صريح بأنك تقرأ ولا ترد على كل شيء.
وطريقة ضبط هذا كله في حدودك مع جمهورك: كيف تحافظ على القرب بلا أن تستهلك نفسك؟، وترتيب وقت الردود في كيف ترد على تعليقات جمهورك دون أن تستهلك وقتك كله؟.
وإن لم ينجح
بعض القنوات لا يناسبها مجتمع، إما لأن موضوعها فردي وإما لأن جمهورها يتفرق في منصات كثيرة. والمجموعة الميتة أسوأ من عدمها، لأن الزائر يراها فيحكم على قناتك.
وحينها أغلقها بجملة واضحة: «أوقف المجموعة وأكمل الحوار في تبويب المجتمع.» وأنت لم تخسر شيئا، بل جربت وعرفت، وبقي معك ثلاثون شخصا يعرفونك بالاسم.
والمقياس الوحيد لنجاح المجتمع أن تغيب أسبوعا فتجد المكان ما زال يتكلم.
مقالات ذات صلة
-
كيف ترد على تعليقات جمهورك دون أن تستهلك وقتك كله؟
سأل سؤالاً حقيقياً تحت فيديوك ولم تردّ عليه، فلم يعد. كيف ترتّب أولويات الردّ، وما يجعل الردّ مفيداً، وكيف تحدّد وقتاً لا يبتلع يومك.
-
النشرة البريدية لقناتك: ماذا ترسل فيها لجمهورك؟
جمعت بريد متابعيك، وفتحت الصفحة البيضاء، ولم تعرف ماذا تكتب. خمسة أشياء ترسلها فعلاً، والشكل والإيقاع اللذان يصمدان، وثلاثة أشياء تقتل القائمة.
-
تبويب المجتمع والمنشورات في قناتك: ماذا تنشر فيه بين الفيديوهات؟
نشر صورة مكتوب عليها «صباح الخير» فرآها مئتان ولم يعلق أحد، ثم نشر سؤالا واحدا فجاءه أربعون ردا. ستة أشياء تصلح لهذا التبويب، وما لا يصلح، والإيقاع الذي يصمد.
-
كيف تشرك متابعيك في صناعة فيديو دون أن تفقد قرارك؟
نشر استطلاعا يسأل ماذا أصور بعد، فاختار الأكثرية فكرة لم يكن يريدها، فصورها، فكان أسوأ فيديو في قناته، ولم يشاهده من صوتوا له. الفرق بين المشاركة في المادة والمشاركة في القرار.